صحيفة زهران
الأربعاء 16 جمادى الثاني 1435 / 16 أبريل 2014

جديد الأخبار

التدافع بين الحق والباطل
1429-11-30 07:06 PM

من سنن الله الماضية ، ومشيئته الكونية النافذة ، وقضائه المبرم التدافع بين الحق والباطل ، وبين الأبرار والفجار ، وبين أهل الشبهات والشهوات ، وأهل الاستقامة والصلاح . وقد بين الله سبحانه وتعالى هذه السنة الإلهية والحكمة من ورائها في محكم آياته ؛ فقال : {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251، وقال : {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40
ومن مظاهر التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل ما يقوم به كل فريق ، ويبذله من جهد في سبيل الدعوة إلى ما يؤمن به ويعتقده ؛ فإن أهل الباطل يحشدون الجموع لباطلهم ويجتهدون في ذلك ، ويبذلون في سبيل باطلهم أموالهم ونفوسهم وأهليهم وهذه نقطة مهمة يجب أن يلحظها أهل الحق .
والدعوة إلى الباطل قد لا تأخذ منهجا صريحا ، ولا تسلك طريقا واضحا ، وبالتالي يلتبس أمرها على كثير من الناس . وقد يلبس أهل الباطل لبوس الحق ، ويقولون بقول أهل الحق ، ويستدلون بأدلتهم زيادة في التلبس والعماية .وقد ذكر الله ذلك عنهم ؛ فقال : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾
وروى البخاري عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قال : (( كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْخَيْرِ ،وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِى . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! : إِنَّا كُنَّا فِى جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ : « نَعَمْ » . قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ :« نَعَمْ ،وَفِيهِ دَخَنٌ » قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : « قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِى تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ » قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : « نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا » . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ : « هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا » قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قَالَ : « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ » . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟قَالَ: « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ »
إذن قد ترى الداعي إلى الباطل يقرأ القرآن ، ويحفظ حديث الرسول ، ويكثر من العبادة ، ومع ذلك لا يخرجه ذلك من أن يكون من أهل الباطل . واقرأ إن شئت حديث رسول الله الذي أخرجه الشيخان عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ  أَنَّهُ قَالَ : (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : « يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينَ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ »
إن من علامات أهل الزيغ والضلال أن أفعالهم لا تتسق مع ما يقولون ؛ فهم يقولون الحق بألسنتهم ، ويفسدون في الأرض بأفعالهم ؛ كما وصفهم الله بذلك فيما تقدم من آيات ، وأوضحه الرسول فيما صح عنه ؛ فقد روى البخاري ومسلم عن أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ : (( بَعَثَ عَلِىٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِى تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ : الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِىُّ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِىُّ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلاَثَةَ الْعَامِرِىُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِى كِلاَبٍ ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِىُّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِى نَبْهَانَ - قَالَ - فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ ، فَقَالُوا : أَتُعْطِى صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « إِنِّى إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأَتَأَلَّفَهُمْ » فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ ، نَاتِئُ الْجَبِينِ ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ ؟ أَيَأْمَنُنِى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِى! » قَالَ : ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِى قَتْلِهِ - يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ ».
إن هذا الشقي في ظاهر قوله لم يدع إلا إلى حق ؛ ولم يأمر إلا بمعروف ؛ فإنه لم يفعل أكثر من الأمر بالتقوى ((اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ! )) ، والدعوة إلى العدل حينما َقَالَ : (( يَا رَسُولَ اللَّهِ ! اعْدِلْ )) ولكنه نسي أنه يخاطب أعدل الناس ، وأتقى الناس .
إن الفوائد المستقاة من هذه النصوص كثيرة ، ولكن حسبنا أن نشير إلى بعضها ، ومنها :
1. وجوب التسلح بالعلم الشرعي حتى لا ننخدع بزخرف القول فنقع فيما يفسد علينا الدين والدنيا ؛ ونكون ممن قال الله فيهم : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
إن الدعوة إلى الباطل ينكشف أمرها إذا كانت بصورة صريحة بعيدة عن التلبيس ، ولذلك فإن بعض دعاة الباطل يبتعدون عن هذا الأسلوب ويلجئون إلى أسلوب إثارة الشبهات ، وتأويل النصوص ، والظهور بمظهر الداعي إلى الله على بصيرة ، الحادب على دين الله ، الغيور على محارم الله ، الناصر للمظلومين ، المطالب بحقوق المقهورين لينخدع بدعوته الدهماء ، ويستكثر من الأتباع الجهلاء .
2. ألا ننخدع بظاهر القول ونتبع كل داع ، بل علينا أن ننظر إلى الأفعال ؛ فإن كانت على غير هدى ، وبعيدة الصواب ، فلنعلم أن ذلك الداعي ممن سمى الله فلنحذره .
3. أن نلزم غرز أهل العلم والفضل ؛ الذين يسيرون على الطريق السوي ، ويتبعون المنهج الحق ، وأن نمشي في ركابهم ، وألا نصدق من ينبزهم بالألقاب السيئة ، ويصفهم بالصفات القبيحة .
4. أن نكون مع جماعة المسلمين وإمامهم عملا بوصية الرسول لحذيفة حينما قال له : (( فَمَا تَأْمُرُنِى إِنْ أَدْرَكَنِى ذَلِكَ ؟ قَالَ : « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ »
5. أن نقوم بواجب النصرة للحق وأهله ، وفضح الباطل ودعاته ، وأن نأمر بالمعروف ، وننهى عن المنكر على الوجه الشرعي .
إن أخطر ما يفرق جماعة المسلمين تخاذل أهل الحق وتقاعسهم عن القيام بواجبهم ؛ لأن ذلك يخلي الجو لأهل الباطل ليخدعوا الناس بباطلهم ويلبسوا عليهم دينهم . ثم إن سكوت أهل الحق عن البيان قد يفهم منه رضاهم بما يقول دعاة الباطل ، أو عجزهم عن مقارعة باطلهم ، وفي هذا فتنة للناس ، وصد لهم عن دين الله .
6. أن نعرف أسباب النصر ، وعوامل الهزيمة ، فنتلبس بالأولى ونجتنب الثانية . وعلينا أن نوقن أن الله ينصر من ينصره ، ويذل من يخالف أمره ، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .
7. أن نؤمن إيمانا جازما بأن الباطل إلى زوال ، وأن قوته إلى اضمحلال. وأن الباطل إن علا في بعض الأزمنة أو الأمكنة فليس لقوته الذاتية ، وإنما لتقاعس أهل الحق عن القيام بواجبهم .
8. أن نحذر من الخوض فيما لا نعلم ، ونكل الأمر إلى أهله ، وخاصة في الأمور العامة ، وألا ننخدع بما يثيره بعض دعاة الباطل من إشاعات عملا بقول الله تعالى : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾


د . إبراهيم بن عبد الله الزهراني

عضو هيئة التدريس بكلية الملك فهد الأمنية

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1387


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في tumblr
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#920 [المشرف فهد سعود الزهراني ]
0.00/5 (0 صوت)

1429-12-01 08:04 PM
جزاك الله خير ماقصرت ياشيخنا نورتنا انار الله بصيرتك


د. إبراهيم بن عبد الله الزهراني
د. إبراهيم بن عبد الله الزهراني

تقييم
6.57/10 (62 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Designed by : Dimofinf"
جميع تعليقات و إضافات الزوار لاتمثل رأي صحيفة زهران || رئيس التحرير فواز المالحي ، تأسست في 17-11-1428 هــ : الموافق 27-11-2007 م


الرئيسية |الصور |المقالات |الكاريكاتير |الأخبار |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى