عرض مشاركة واحدة
قديم 30-11-2012, 03:37 AM   #14
شذى الريحان
عضو اداري
كبار الشخصيات
 
الصورة الرمزية شذى الريحان
 







 
شذى الريحان will become famous soon enough
افتراضي رد: ⊙▂⊙ بــطــاقـة من كتــاب ⊙▂⊙

مختارات من كتاب البخلاء للجاحظ








[frame="9 10"]



[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;border:6px double black;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]قال خاقان بن صبيح: دخلت على رجل من أهل خرسان ليلاً،
وإذا هو قد أتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الدقّة، وإذا هو
قد ألقى في دهن المسرجة شيئاً من ملح.
وقد علّق على عمود المنارة عوداً بخيط، وقد حزّ فيه مكان للرّباط.
فكان المصباح إذا كاد ينطفىء أشخص رأس الفتيلة بذلك. قال: فقلت له:
ما بال العود مربوطاً؟ قال: هذا عود قد تشرّب الدهن،
فإن ضاع ولم يحفظ احتجنا إلى واحد عطشان.
فإذا كان هذا دأبنا ودأبه ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفاية ليلة.
قال: فبينا أنا أتعجّب في نفسي، وأسأل الله، جلّ ذكره،
العافية والستر، إذ دخل شيخ من أهل مرو، فنظر إلى العود فقال:
يا أبا فلان فررت من شيء ووقعت في شبيه به.
أما تعلم أنّ الريح والشمس تأخذان من سائر الأشياء؟
أو ليس قد كان البارحة عند إطفاء السراج أروى؟
وهو عند إسراجك الليلة أعطش؟
قد كنت أنا جاهلاً مثلك حتّى وفّقني الله إلى ما هو أرشد.
اربط، عافاك الله، بدل العود إبرة أو مسلة صغيرة.
واعلم أنّ العود والخلال والقصبة ربما تعلّقت بها الشّعرة
من قطن الفتيلة إذا سوّيناها بها، فيتشخص معها.
وربّما كان ذلك سبباً لانطفاء السراج. والحديد أملس،
وهو مع ذلك غير نشّاف.
قال خاقان:
ففي تلك الليلة عرفت فضل أهل خرسان على سائر الناس،
وفضل أهل مرو على سائر أهل خرسان.[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN][/frame]


[frame="9 90"]



[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:burlywood;border:6px double sienna;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]وذكر عن
اصدقاء ترافقوا وتزاملوا،
فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم
. فإذا اشتروا اللحم قسموه قبل الطبخ،
وأخذ كلّ إنسان منهم نصيبه،
فشكّه بخوصة أو بخيط،
ثم أرسله في خلّ القدر والتوابل.
فإذا طبخوه تناول كلّ إنسان خيطه،
وقد علّمه بعلامة ثم اقتسموا المرق.
ثم لا يزال أحدهم يسل من الخيط قطعة بعد القطعة،
حتى يبقى الحبل لا شيء فيه.
ثم يجمعون خيوطهم فإن أعادوا الملازقة
أعادوا تلك الخيوط، لأنها قد تشربت الدسم، ورويت.
وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة،
ولكن لأنّ بضعة كلّ واحد منهم لا تبلغ مقدار
الذي يحتمل أن يطبخ وحده، ولأنّ المؤونة تخفّ أيضاً في الحطب
والخلّ والثّوم والتّوابل. ولأنّ القدر الواحدة أمكن
من أن يقدر كلّ واحد منهم على قدر.
وإنما يختارون السّكباج لأنّه أبقى على الأيام، وأبعد من الفساد.





السِّكْبَاجُ : طعامٌ يُعْمَلُ من اللَّحم والخَلِّ مع توابلَ

[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN][/frame]


[frame="9 90"]




[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:white;border:6px double darkred;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام:
دعانا جار لنا، فأطعمنا ثمراً وسمناً سلاء. شحم
ونحن على خوان ليس عليه
إلاّ ما ذكرت، والخرساني معنا يأكل،
فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك.
فقلت لرجل إلى جنبي:

ما لأبي فلان يضع سمن القوم،
ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟

قال: وما عرفت علّته؟

قلت: لا والله.

قال: الخوان خوانه،
فهو يريد أن يدسّمه، ليكون كالدّبغ له.
ولقد طلّق إمرأته، وهي أمّ أولاده لأنه
رآها غسلت خوانا له بماء حارّ، فقال لها:
هلاّ مسحته!. [/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]


خوان ؟ طاولة طعام [/frame]

[frame="9 90"]



[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:black;border:6px ridge deeppink;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]دعا أحد البخلاء (محفوظ النقاش)
الجاحظ للمبيت عنده،
بعد هطول المطر، بسبب قرب منـزله
من الجامع، فجاءه بطبق لبن وتمر،
فلما مدّ الجاحظ يده قال له:
"يا أبا عثمان إنه لبأ وغِلْظُه!
وهو الليل وركوده! ثم ليلة مطر ورطوبة،
وأنت رجل قد طعنت في السن،
ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً،
ومازال الغليل يسرع إليك،
وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء"

[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN][/frame]

[frame="9 90"]



[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:black;border:6px groove gray;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]يروي الجاحظ من أن أناساً من أهل مدينة مرو بخرسان
لا يلبسون خفافهم ( أحذيتهم )
إلا ستة أشهر في السنة
فإذا لبسوها في هذه الأشهر
الستة يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة أشهر
وعلى أعقاب أرجلهم ثلاثة أشهر !![/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
[/frame]
[frame="9 90"]


[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:darkred;border:6px groove black;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
وروى إن رجلاً زار قوماً
فأكرموه وطيبوه
فجعلوا المسك في شاربه،
فحكته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها
من باطن الشفة
مخافة أن تأخذ إصبعه من المسك شيئاً.[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]
[/frame]

[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:90%;background-color:black;border:5px double darkred;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
[/ALIGN]
[/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]



قراءة في نص من ( كتاب البخلاء ) للجاحظ
حكايات ( ابي القماقم )
نقف مع بخلاء الجاحظ أمام مجتمع كامل يعرض البخل
بشتى اصنافه وطرقه ويمارس الجاحظ الدور الرئيسي
في التعبير عن هذا المجتمع من خلال الواقعية
التي اتسم بها أسلوبه مصوراً البخل في عصره من غير مداراة
ولا مواربة حريصاً على نقل المشاهد بجميع تفاصيلها
ودقائقها وعبر سياق حكائي واقعي لا مجرد أخبار عابرة.
والرواية عند الجاحظ تتسم بقواعد عامة منتظمة
اساسها الصدق والواقعية يحرص فيها على إقامة علاقة
واضحة الأبعاد بينه وبين القارئ (السامع)
مع الحرص على دوره الأساسي في القيام بوظيفة السرد.
ولهذه الوظيفة درجات فهي إما أن تعتمد على الأسلوب
المباشر في نقل الكلام الذي سمعه الجاحظ من غيره ،
سارداً الحكاية بأسلوبه الخاص وهو عندئذ يستخدم المفردات
( حدثني ، أخبرني ، سمعت )،
وفي أحيان أخرى يميل الجاحظ الى نقل الحكاية كما وردت على لسان
أصحابها فيستخدم عندئذ المفردات
( قال ، حكى ، قالت ) ..
دون ان ينسى الجاحظ ان يدعم حكاياته بالسند والرواية إلا في بعض الحكايات .
والجاحظ في نقله للحكاية التي تجسد البخيل
يعنى عناية فائقة بالجانب التعبيري فيستخدم لكل شخصية ما يناسبها
من ألفاظ وتعابير ومنطق بما يطابق في مستواه التعبيري
ما تمثله الشخصية في الحياة على الرغم من أن
معظم الشخوص قد اجتمعت على صفة واحدة هي صفة البخل .
ويستخدم الجاحظ أساليب عديدة تجعل من كتابه اقرب للسرد القصصي
منه الى الحكاية الاخبارية ، فطريقته في السرد
ليست أداة توصيل فحسب بل هي وسيلة لجذب اهتمام
القارئ وتشويقه وجذبه للمشاركة في الرؤية التي يصدر عنها، اي
(موقفه من البخل والبخلاء ) ،
وينبغي ان نلحظ هنا
أن العلاقة التي تجمع الراوي (الجاحظ)
بالأشخاص
(البخلاء)هي علاقة عداء وتنافر .
وسنحاول أن نستعرض الجوانب التي ظهر فيها السرد من خلال
الوقوف على نموذج البخيل الذي يمثله "أبو القماقم" ،
والجاحظ يروي بعضاً من الحكايات التي دارت حول
هذا الرجل مستخدماً أسلوب السرد المعتمد على نقل الحكاية كما جاءت على لسان صاحبها.
ويبدا الجاحظ كلامه عن هذا الرجل بنقل كلام على لسانه حول وجوب
"ان يحافظ المرء على ما صار في يده وألا يفرط
فيه الى يد غيره لأنه لو فعل فقد أباح لغيره أخذ ما كان له ".
ولعل في هذا القول ما يكشف عن المستوى العقلي
الذي يتمتع به أبو القماقم ، فكلامه أقرب الى حديث
المتكلمين والفلاسفة وطبقة المثقفين ،
والحقيقة أن أبا القماقم هذا وكما جاء في
(أنباه الرواة ) وفي (البيان والتبيين) ،
هو أبو القماقم الأسدي الذي كان صاحب نوادر ورواية وشعر ،
روى عنه الكسائي واختار له أبو تمام بعض الشعر .
ولعل هذا القول لأبي القماقم والذي افتتح به الجاحظ حديثه
عنه يعد بمثابة التمهيد والإعداد التجهيزي
للحكاية فكأنما يقول الجاحظ للقارئ هذا هو فكر
الرجل فإليك سلوكه وانظر كيف وظف فكره في حياته .
والجاحظ كان قد أعدَ القارئ مسبقاً للوقوف
أمام هذه الشخصية المثقفة حين أشار في مقدمة كتابه
الى تعجبه من ان هؤلاء البخلاء على الرغم من غبائهم الشديد إلا أنهم يتحلون بفطنة عجيبة .
وتكشف لنا الحكاية التي يوردها الجاحظ عن
تناقض بين المستوى العقلي والمستوى الاجتماعي لهذه الشخصية ،
ولعل أول الإشارات الى هذا التناقض تبرز من خلال الحوار
الذي تديره المرأة فهي تبدأه بقولها " ويحك يا أبا القماقم
" وكلمة " ويحك" وإن لم تكن المرأة تقصد بها الى الشتم
والزجر في ظل السياق الذي جاءت فيه إلا أنها توحي
بدنو منزلة المخاطب ، ولعل ذلك يحيلنا الى شخصية
أبي القماقم لنبحث فيها وفي الاسم الذي تحمله ،
نجد أن القمقم في اللغة هو إناء من نحاس أو فضة يجعل فيه الماء ،
أو هو نوع من الجرار يحملها السقاؤون ،
وعلى الرغم من أن الجاحظ لم يشر الى مهنة ابي القماقم
الا أنه إن صح أن أبا القماقم كان يمتهن السقاية
فإنه يصح تناسب مستوى الخطاب مع الشخصية .
ولننظر في الحكاية الأولى وهي واحدة من ثلاث حكايات
تجمعها عناصر عديدة.. أول العناصر أنها جميعا حكايات قصيرة
ومكثفة تظهر فيها صنعة جاحظية تعتمد الاهتمام باللفظ الموحي
المستخدم للتعبير عن مشهد كامل وصورة كاملة ،
على عكس ما عرف عن الجاحظ من الاستطراد والعنصر الثاني
هو أن البطل واحد وهو أبو القماقم (البخيل )
وهو يمارس الحيلة دائما للوصول الى هدفه أوللتخلص من المآزق
التي يقع فيها ،والعنصر الثالث إن الضحية في كل الحكايات هو امرأة .
تتحدث الحكاية الأولى عن امرأة كانت تستعد للزواج
(النهاري) وأرادت أن تتجمل لزوجها فطلبت من أبي القماقم
أن يحضر لها برغيف آساً تتعطر به وبفلس دهناً تتجمل
به لكنه أخذ الرغيف والفلس وذهب دون أن يعود ،
وعندما لقيته بعد أيام سألته عما فعل بها حين تركها فأجابها
أن الفلس قد سقط منه وأنه من غمه أكل الرغيف .
والحكاية تكشف في الجانب الاجتماعي عن الزواج
النهاري ويبدو أنه زواج خاص وربما اقيم في النهار
تحاول فيه الزوجة إرضاء زوجها بكل السبل الممكنة ،
والأمر الثاني يتعلق بشراء السلع حيث يتم
استبدال سلعة بأخرى كما هو في حال استبدال الآس بالرغيف .
وفي هذه الحكاية يدير الجاحظ جل الحوار على لسان المرأة
(الضحية) فتبدأ بعرض سوء حالها وتبالغ في
محاولة لكسب تعاطفه وترغيبه بالأجر والثواب " فإنك تؤجر ..
فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه ...
فقد والله ساءت حالي وبلغ المجهود مني " ،
والحقيقة أن الجاحظ يستفيض في هذا الوصف ليكسب
تعاطف القارئ مع هذه المرأة ويشده الى قصتها
والتأثر بحالها وعملية الإسهاب في الحديث يمد
في حالة القلق والاثارة التي يشعر بها القارئ تجاه
ما ستؤول اليه الحكاية وبالتالي فان الجاحظ يحاول
جذب القارئ جذبا مبطنا الى رؤيته في نبذ البخل .
وعلى الرغم من هذا التطويل في السرد على لسان المرأة
فإننا نفاجأ بأن شخصية أبي القماقم لا تبرز الا من خلال الحركة
( فأخذهما وجعلها وجهه ) ، ثم بعبارتين تختم بهما
الحكاية لكنهما على الرغم من الاقتصار اللفظي قد اسهما في حل الغموض
وازالا التوتر والترقب الذي ظل مسيطراً على القارئ ،
ويفاجئنا هذا التطويل في السرد، قي أنه جاء للإثارة
والتشويق وكسب التعاطف على حساب الأحداث ذاتها
إذ تظل أحداث عديدة ضمن إطار الحكاية خاضعة للإضمار
والغموض ، فأبو القماقم ترك المرأة في أزمتها وغادر
ثم يخبرنا الجاحظ أنها رأته بعد أيام دون أن يخبرنا
بما حدث لها بعد أن عاد زوجها ولم يجدها متزينة لاستقباله
وتنتهي الحكاية دون أن نعرف رد المرأة عليه وأنها صدقته أم لا .
ويوضح الجاحظ هذين الموقفين من خلال استخدامه للتكثيف
اللفظي والايحاء ؛ ففي الموقف الأول يشير الجاحظ
الى ما حل بالمرأة من خلال قولها لأبي القماقم
" سبحان الله أما رحمتني مما صنعت بي "،
وهذا يدل على أنها لم تستطع تجاوز الموقف
فسقطت فيما كانت تحاذره وألقت باللوم على ابي القماقم
الذي حاول التخلص من الموقف بايجاد حيلة مناسبة
وقد كانت الحيلة التي ابتدعها طريفة مضحكة بسبب القدرة
التي تهيأت في ابتكارها وفي اعتمادها على سذاجة
الناس وبساطتهم في نجاحها ، فلماذا لجأ ابو القماقم
الى هذه الحيلة بالرغم من أنه ليس من السهل تصديقها؟.
قبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف أن
" البخلاء ليسوا بالاشخاص الذين يسيرهم عقلهم
أو يتحكم فيهم تفكيرهم بل الذي يسيرهم هو البخل
المتحكم في نفوسهم والمسيطر عى شعورهم وسلوكهم ولغتهم".
وابو القماقم وكما مهد له الجاحظ
هو صاحب نظرية الإصلاح المتمثلة في أن لا يرد ما صار
في يدي لك لذلك لم يكن يحتاج الى أن يعد المرأة بأن يعود
اليها بما طلبته منه ونابت الحركة عما في نفسه
( أخذهما وجعلها وجهه ) ، وفي ذلك ايحاء
بالسرعة وهي في ذات الوقت ممارسة عملية لنظريته
" ما صار في يدي فهو لي .. ومن أخرج من يده شيئاً الى يد
غيره من غير ضرورة فقد أباحه لمن صيره اليه "
.فكانت الحكاية صورة مقابلة للحديث الذي أورده
الجاحظ على لسان ابي القماقم .
والحكاية الثانية ليست إلا صورة أخرى يتناول
بها الجاحظ وصفاً لجانب من شخصية أبي القماقم
يثبت لنا أن أبا القماقم لم يأكل الرغيف غماً وحزنا
على فقد الفلس بل جوعاً وطمعاً وخوفا من ذهاب الرغيف الذي صار في يده الى يد غيره .
في هذه الحكاية يتعشق أبو القمام امرأة فلا يزال
يتبعها ويبكي بين يديها حتى ترحمه وتحن عليه
ثم راح يطلب اليها أن تهديه من أصناف الطعام
ويكثر حتى علمت المرأة موضع هواه وأنه يحب الطعام لا أياها فقالت
( رايت عشق الناس يكون في القلب وعشقك انت ليس يجاوز معدتك ".
والحكاية السابقة تصل الى الاضحاك عبر اعتمادها
لاسلوب المفارقة فابو القماقم يطارد المرأة
ويلح عليها ويبكي بين يديها حتى ترحمه
لكن المفارقة
تبدأ حين يستغل ذلك الحب فيطلب منها أن تهديه أطايب الطعام .
والجاحظ ينقل لنا هذه الحكاية
مستخدما تقنية السرد ولكنه يتدخل للمشاركة الفعلية
حين يهئ القارئ للموقف ومن ذلك قوله
" وكانت مكثرة وكان مقلاً ".
وفكرتي الاضحاك و السخرية التي يقوم
عليهما كتاب البخلاء يتوصل اليهما الجاحظ
عن طريق الثنائيات الضدية ثنائية من يملك
ومن لا يملك ومن هو مقل ومن هو مكثر ومن هو شبعان ومن هو جائع .
ابو القماقم مع هذه المرأة جائع يبحث عن
الشبع ومقل يبحث عن مكثر ،
والحيلة التي يلجأ اليها طريفة على الرغم من أنه لا يسوقها
بشكل مباشر وهو يعتمد فيها على سذاجة الضحية
التي يمارس معها الاحتيال ،
ولكن المفاجأة التي تحقق للقارئ المتعة والاضحاك
تكمن في اكتشاف الضحية للحيلة لتسير الأمور بعد ذلك نحو الانفراج .
وتشبه هذه الحكاية الحكاية الثالثة في اعتماد الحيلة
على سذاجة الضحية وتبدو شخصية ابي القماقم في
هذه الحكايات اقرب الى شخصية الطفيليين منها
الى شخصية البخيل رغم التقاطع الواضح بين ملامح الشخصيتين .
يظهر التشابه مع شخصية الطفيلي من خلال استخدام
ابي القماقم لاسلوب الالحاح على المسألة
( فلم يزل يتبعها ) في الحكاية الثانية ،
وقول ابي الاصبغ في الحكاية الثالثة
" الح ابو القماقم "
وهو الحاح الطامع بمال غيره المتباخل بماله .
ويمكن أن نلاحظ الاختلاف في البناء الفني للحكاية
الثالثة عن غيرها وذلك من خلال اعتماد السرد
على راو ينقل الاحداث وهو ابو الاصبغ والسرد
عندئذ يتحول الى الاسلوب المباشر المعتمد على نقل الحوار
لتكثر في الحكاية مفردات
( يسأل ، قالوا ، قال ) ،
وليتخذ المتحاورون مظهرا يعتمد الحكاية
فيحل الحوار مكان السرد الحكائي .
لقد قدم لنا الجاحظ صوراً ذات أطوار
متعددة من حياة ابي القماقم وهي ليست في حقيقة الأمر
الا ملامح مختلفة لجوهر واحد اوضحه الحديث
الذي نقله الجاحظ على لسان ابي القماقم في بداية الحكايات .
ولقد كشف لنا الجاحظ عن نفسية بخيله وتطور شخصية البخيل ،
فقد ظهر البخيل أول الأمر متسترا إذ لم يكن المبادر
الى الحيلة لكنه صار أكثر جرأة فراح يلاحق امرأة بدعوى
الحب ومن ثم استغلالها لملء معدته ، والحكاية الثالثة
تظهره أكثر جرأة حين لا يتورع عن المجاهرة بنيته ،
وحين يصل البخيل الى هذه المرحلة فإنه يوقع نفسه
في مزالق حيله بما يكشف عن غبائه وجهله وهذا هو
السر في ضحك المتلقي الذي يفاجأ بالمفارقة الواضحة
بين أهمية الموقف وسوء تفكير البخيل .
ومما يزيد في جمال الموقف تلك الصنعة الجاحظية
التي اعطت الموقف عمقا أكثر واسهمت في صبغ النص
الحكائي البسيط بالصبغة القصصية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التوقيع
أخر مواضيعي

التعديل الأخير تم بواسطة شذى الريحان ; 30-11-2012 الساعة 03:44 AM.
شذى الريحان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس