منتديات زهران  


صحيفة زهران

الكاريكاتير الأخبار

دواوين شعراء زهران

زهران TV الصوتيات الصور
العودة   منتديات زهران > المنتديات العامة > المنتدى الأدبي

الخليل بن احمد الفراهيدي الدوسي.


المنتدى الأدبي

إضافة ردإنشاء موضوع جديد
 
LinkBack أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-09-2006, 04:56 PM
الصورة الرمزية تأبط شراَ  






مشاركات الشكر: 0
تم شكره 17 مرة في 14 مشاركة
تأبط شراَ is on a distinguished road
افتراضي الخليل بن احمد الفراهيدي الدوسي.

نسب الفراهيدي
الخليل بن احمد الفراهيدي

نسبه : هو ابو عبد الرحمن الخليل بن احمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الدوسي ، مخترع العروض ومبتكر المعْجَمات، وواضع الشكل العربي المستعمل حتى الآن0 ( الضمه والمد ...الخ)
ولد سنة مائة هجرية بالبصرة، ونشأ بها، وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه، وأكثر الخروج الى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغا لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، ولقن ذلك تلميذه سيبويه(حجة النحويين الشهير)0
ومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر، اختراعه العروض علما كاملا، لم يحتج الى تهذيب بعده،وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب (العين) وتدوينه كتابا دقيقا في الموسيقى على غير معرفة بلغة اجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة اسماها(جبلا) لعب بها الناس زمنا0
وبقي الخليل مقيما بالبصرة طوال حياته، زاهدا متعفا مكبا على العلم والتعليم، حتى مات في اوائل خلافة الرشيد سنة170هـ بصدمة في دعامةمسجد ارتج منها دماغه0

علم العروض

وضعه الخليل بن احمد الفراهيدي وذلك حين حس خطر اختلاط العرب بالعجم حين مانت بغداد والكوفة قبلة طلبة العلم وحين تقلصت الفطرة العربية السليمة .

فيعود الفضل الى الفراهيدي في استنباط علم العروض وحصر بحوره في خمسة عشر بحرا (15) الا ان الاخفش زاد بحرا على ذلك وهذا العلم لازما للشعراء ودارسي اللغة العربية
وكان الفراهيدي عالما بالمسيقى التي ساعدته في استخراج نطق الحروف وسمى هذا الكتاب ( كتاب العين) وله مؤلفات كثيرة منها (معاني الحروف)، (جملة آلات الحرب) ، (العوامل) ،( العروض ) ، (النقط والشكل).
وله الفضل في كتاب تلميذه سيبويه المسمى (الكتاب) فهو الذي كان يشرف عليه.

هذا العبقري الذي خير في العصر الحديث نظرة العالم والتي كانت تعتبر العرب ياخذون علومهم اما من الهندية او الاغريقية واعترف الكثير منهم بان هذه النظرة خاطئة عندما ترجموا كتاب هذا العبقري ومنهم ( جوليا كريستينا . باحثة ولسانية من جامهة الصربون بفرنسا)(هذه النظرية الصوتية ، ارتبطت ارتباطا وثيقا بالموسيقى : فالخليل الفراهيدي، لم يكن صوتيا ونحويا متميزا فحسب ، بل كان منظرا مرموقا في الموسيقى ، فمصطلح مثل " حركة " المستعمل في علم الأصوات ، انحدر من الموسيقى ).

وجد الفراهيدي طريقتين لترتيب الهجاء .
الابجدية. ( ابجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، سعفص ، قرش ، تخذ ، ضظغ).
2- الطريقة الاخرى ترتب الحروف على النحو التالي ( ا ب ت ث ...الخ.

ولكنه استطاع جمع اشتات المفردات ووضعها في معجمه بطريقة مختلفة عن الطريقتين السابقتين لعدم وجود اساس علمي عنده في الطريقتين الاولتين. حيث رتب في طريقته الحروف بحسب مخارجها عند النطق.


المنظومة النحوية – للخليل بن أحمد الفراهيدي التعريف بها وتحقيق نسبتها
أحمد عفيفي (أستاذ اللغة بجامعة السلطان قابوس)

في تاريخ التراث العربي اللغوي ظهرت منظومات نحوية كثيرة، توالى تأليف تلك المنظومات منذ نشأة النحو العربي، مصاحبا لتلك الفترة التي عاشها الخليل والتي بدأ فيها علم النحو يأخذ شكلا اشبه بالعلم المتكامل والذي نضج على يد عالم النحو الاكبر سيبويه تلميذ الخليل. ولعل توالي تأليف هذه المنظومات منذ ايام الخليل الى أيامنا هذه أيام الشاعر العماني السمائلي (أبو سرور) (1) لم ينقطع، واستمر هذا التوالي بطيئا مرة وسريعا مرة أخرى، حنا التاريخ على بعضها فظهرت واشتهرت بين الدارسين وأصبحت مضرب المثل، مثل ألفية ابن مالك وألفية ابن معط وألفية السيوطي، وجار التأريخ على بعضها وتخلى عنه فظلت حبيسة بين أحضان المخطوطات القديمة تحنو عليها الاوراق وتستأثر بها وكأن الافلات من بين طيات هذه المخطوطات جريمة للبشرية، وقد تمثل هذا النوع من المنظومات التي لم تأخذ حظها من الظهور في المنظومة النحويةالتي كتبها الخليل بن احمد الفراهيدي في القرن الثاني الهجري والتي تجسدت فيها ميزات عدة منها:

1- كونها اول منظومة نحوية كتبت. في تاريخ النحو العربي.
2- نستطيع من خلالها التأريخ لكثير من المصطلحات النحوية التي حملها تاريخ النحو العربي لنا نحن المتأخرين الحريصين على معرفة الكثير عن نشأة النحو والتأريخ له.
3- معرفة كنه وطبيعة التأليف النحوي في تلك الفترة المتقدمة نسبيا في تاريخ هذا العلم.[/color]

4- تحمل لنا ريادة مدرسة المبصرة وسبقها للمدرسة الكوفية المتأخرة عنها، وتوضح كيف أن المبصرة لها اليد الطول د والنصيب الأوفى في تأصيل هذا العلم وبناء منهج متكامل له.
وهناك ميزات أخرى ستحملها الدراسة الفنية لهذه القصيدة من خلال الدراسة التي أقوم بها لهز» القصيدة، فالموقف هنا ليس موقف الكلام عن ميزات هذه القصيدة، لأننا - فقط -سنقوم بالتعريف بها وتحقيق نسبتها الى الخليل. أما النوع الثالث من المنظومات النحوية فهو الذي كتب وضاع او احترق ولم يعرف إلا عنوانه، فقط وقد امتلأت كتب التراجم والتاريخ بهذا النوع والاشارة اليه دون معرفة أين هو ؟ أو ذلك النوع الذي ما زال في الطريق الى الظهور ومثل هذا ما يفعله الشاعر (أبو سرور) فقد ألف منظومته النحوية (ألفية أبي سرور النحوية ) ولم يقدمها حتى الآن نظرا لانه سيقوم بشرحها اولا ثم يقدمها للقارىء فيما بعد.

اولا: وصف محام لمنظومة الخليل
جاءت منظومة الخليل النحوية في 293 بيتا من النظم الذي اقترب من الشعر في لفته الرقيقة، وصاغها الخليل على وزن عر وهي يسمى "بحر الكامل التام" الصحيح العروض والضرب وتفعيلات هذا الوزن تأتي على الصورة التالية:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن

متفاعلن متفاعلن متفاعلن. ضمت الكثير من أبواب النحو العربي وتركت القليل منها، جاءت مقدمتها التي وصلت الى 26 بيتا تمهيدا للقارىء وتوطئة نفسية له بدلا من الدخول الى النحو مباشرة. يقول في اولها:

الحمد لله الحميد بمنه = أول وأفضل ما ابتدأت واوجب

حمدا يكون مبلغي رضوانه = وبه اصير ال النجاة واقرب

وعلى النبي محمد من وبه = صلواته وسلام ربي الأطيب

اني نظمت قصيدة حبرتها = فيها كلام مؤنق وتأدب

لذوي المروءة والعقول ولم أكن = الا الى امثالهم أتقرب

عربية لا عيب في أبياتها = مثل القناة أقيم فيها الأكعب

تزهو بها الفصحا عند نشيدها = عجبا ويطوق عندها المتأدب الى أن وصل الى نهاية المقدمة وبداية الموضوع النحوي الاول قائلا:


فاذا نطقت فلا تكن لحانة = فيظل يسخر من كلامك معرب

النحو رفع في الكلام وبعضه = خفض وبعض في التكلم ينصب
الى ان وصل الخليل الى نهاية القصيدة فقال:

النحو بحر ليس يدرك قعره = وعر السبيل عيونه لا تنضب

فاقصد اذا ما عمت في آذيه = فالقصا ابلغ في الأمور وأذوب

واستغن أنت ببعضه عن بعضه = وصن الذي علمت لا يتشذب
وبين المقدمة والنهاية عالج أمورا نحوية كثيرة بأسلوب يتسم بالسهولة والابتعاد عن التعقيد جاء متسقا مع سهولة عرض القضايا النحوية فكأنه رجل عصري يعيش معنا الآن باسلوبه الذي يصل الى متلقيه سريعا وابتعاده عن الجدل النحوي.

ثائيا: نسخ المخطوطة
من خلال البحث والتنقيب بين صفحات المخطوطات المختلفة وخاصة المجاميع منها. استطعت العثور عل عثر نسخ مخطوطة من قصيدة الخليل بن احمد في النحو، كتبت كلها بخطوط مخالفة، من هذه النسخ ثماني نسخ كانت ضمن مجاميع ضمتها مكتبة دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان. هذه النسخ هي:

(1) نسخة رقم 2988 ورمز لها بالرهن (أ)

(2) نسخة رقم 3122 ورمز لها بالرهن (ب)

(3) نسخة رقم 3072 ورمز لها بالرمز (ب)

(4) نسخة رقم 3371 ورمز لها بالرمز (ج)

(5) نسخة رقم 3245 ورمز لها بالرمز (د)

(6) نسخة رقم 1974 ورمز لها بالرمز (و)

(7) نسخة رقم 2318 ورمز لها بالرمز (ز)

(8) نسخة رقم 3058 ورمز لها بالرمز (ح)
والنسختان الاخريان وجدتا في مكتبتين خاصتين، هاتان النسختان هما:

(9) نسخة رقم 434 (نحو) بمكتبة السيد محمد بن احمد البوسعيدي بالسيب - عمان ورمز لها بالرمز (ط )

(10) نسخة بمكتبة الفاضل سالم بن احمد بن سليمان الحارثي في ولاية القابل بسلطنة عمان ورمز لها بالرمز(ي) وقال الخليل بن احمد:
الحمد لله الحميد بمنه اولى = وافضل ما ابتدأت واوجب

حمدا يكون مبلغي رضوانه = وبه اصير الى النجاة وأقرب

وعلى النبي محمد من ربه = صلواته وسلام ربي الأطيب

اني نظمت قصيدة حبرها = فيها كلام مؤنق وتأدب

لذوي المروءة والعقول ولم أكن = الا الى امثالهم اتقرب

عربية لا عيب في ابياتها = مثل القناة أقيم فيها الأكعب

تزهو بها الفصحا عند نشيدها =عجبا ويطرق عندها المتأدب

وعلامة المتأدبين منيرة لا مثل = من لم يكتنفه مؤدب

يا من يعيب على الفصاحة أهلها = ان التتابع في الفهامة أعيب

ان الفصاحة غير شك فاعلمن = مما يزيدك حظوة ويقرب
والناس اعداء لما لم يعلموا = فتراهم من كل فج يجلب

يتغامزون اذا نطقت لديهم = وتكاد لولا دفع ربك تحصب

يتعجبون من الصواب ركاكة = وخطاهم في لفظهم هو أعجب

الصفحة الأولى من النسخة (أ)


ثالثا. تحقيق نسبة هذه المنظوهة الى الخليل
من المؤكد ان هذه المنظومة النحوية لم تأخذ حقها في الظهور ولم تشتهر عل الساحة النحوية شهرة غيرها من المنظومات النحوية الاخري التي جاءت بعدها في عصور تالية، ولعل ذلك يثير بعض التساؤلات عن اسباب خفاء هذه المنظومة حتى هذا الوقت المتأخر في حقل الدراسات النحوية واللغوية. هل تخوف الدارسون من فكرة نسبتها للخليل ؟ وهو من هو في حقل الدراسات النحوية واللغوية ؟ هل ظلت طول كل هذا الزمن مغمورة لا يعرف من أمرها شي ء ؟ ولم تصل اليها أيدي الدارسين فظلت في خدرها لم يقترب منها أحد أم هل عزف عنها الدارسون لأسباب فنية أخرى؟

لاشك أن البحث والتنقيب داخل المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصة او العامة، وعدم تمكن عناوين هذه المخطوطات من خداع القارىء المثابر الذي يتوقع أن يجد عنوانا مخالفا للمضمون او مضمونا مخالفا للعنوان، أو يجد مجموعا به عدة مخطوطات وضع له عنوان لمخطوطة واحدة من هذا المجموع، أقول لا شك أن كل هذا يمكن أن يكشف النقاب عن الكثير من المفاجآت سلبا او ايجابا لو كانت محاولات الكشف جادة تتسم بالصبر والدأب.

ولعل تلك المثابرة هي التي كشفت النقاب عن هذه المنظومة المنسوبة الى الخليل. فقد وجدت عشر نسخ مخطوطة لها. كل هذه النسخ ضمن مجاميع مخطوطة، سواء بالمكتبات الخاصة او العامة وربما كان هذا مدخلا مهما للاجابة عن السؤال: لماذا لم تكتشف منظومة الخليل النحوية من قبل ؟

فلقد كانت نسخ هذه المنظومة مطمورة ضمن مجاميع مخطوطة. هذه المجاميع احتو دن في معظمها على نصوص مهمة، بعضها اشعار للامام علي بن أبي طالب والشافعي والبوصيري، وبعضها نحوي لقدامى النحاة وبعضها منظومات نحوية او نصوص لغوية كمثلثات تطرب او اللحمي.«. الخ ومن الواضح الاهتمام بأمر هذه المجاميع من قبل اصحابها، والعناية بنسخها عن طريق نساخ متخصصين، وبل ومراجعتها احيانا على نسخ أصلية أقدم للوصول الى نص صحيح. والملاحظ انني لم اجد نسخة واحدة في مخطوطة مستقلة من نص المنظومة، على الرغم من الاهتمام بأمر الخليل بن احمد وأعماله بشكل لافت للنظر. ويبدو أن ذلك كان سببا قويا في عدم الكشف عنها او الاهتمام بأمرها حتى الآن وربما كان السبب استصغارا لحجمها بالقياس للمنظومات النحوية الاخري التي تصل الى ألف بيت او يزيد، وربما كان السبب الشك في صحة نسبتها الى الخليل بن احمد، اذ كيف تكون هذه المنظومة كتبت في القرن الثاني الهجري ولم تظهر للنور حتى الآن ؟

كل هذا دار في خلدي وانا بين الاقبال مرة والاحجام مرات على تحقيقها الى أن عثرت على نص لخلف الأحمر (2) الذي كان معاصرا للخليل، وكانت وفاته بعد وفاة الخليل بعشر سنوات تقريبا. هذا النص يشير الى تلك المنظومة النحوية للخليل، بل وينقل بيتين من تلك المنظومة مستشهدا بهما على قضية نحوية نواها في نص خلف الاحمر الذي يقول فيه تحت عنوان "باب حروف النسق" يقول خلف الأحمر عن هذه الحروف في كتابه "مقدمة في النحو" (3).

"فنسق بها، فإذا اتيت برفع ثم نسقت بشيء من حروف التنسيق رددت على الأول "أي عطفت على الأول" وكذلك إذا نصبت وخفضت ثم اتيت بحروف النسق رددت على الأول. وحروف النسق خمسة. وتسمى حروف العطف. وقد ذكرها الخليل بن احمد في قصيدته في النحو، وهي قول الشاعر:

فانسق وصل بالوار قولك كله = وبلا وثم وأو، فليست تصعب

الفاء ناسقة كذلك عندنا = وسبيلها رحب المذاهب مشعب وهذان البيتان يحملان رقمي 157، 158 من منظومة الخليل النحوية، وان كانت كلمة القافية في البيت الاول جاءت على اشكال متنوعة فمرة "تعقب" ويكون القصد منها أن (أو) ليست للتعقيب مثل ثم الواقعة قبلها مباشرة، ومرة جاءت "تعصب" وجاء التركيب "ولست تعصب" اي لست متشددا عند استخدام حروف العطف هذه، ومرة جاءت "ولست تغضب" من الغضب... الخ

وهذه كلها اشكال متغايرة جاءت باختلاف النسخ وكلها جاءت في شكل اختلافات يسيرة لا تمثل خللا في صلب القضية موطن الحديث، وفي نهاية الامر قد تأكد وجود البيتين في منظومة الخليل التي اشار اليها خلف الأحمر، بل وجاءت تحت عنوان "باب النسق" في قصيدة الخليل الذي قال تحت هذا الباب مباشرة:

واذا نسقت اسما على اسم قبله

اعطيته اعراب ما هو معرب

وانسق وقل بالوار....

والفاء ناسقة.....

فتقول حدثنا هشام وغيره

ما قال عوف او حسين الكاتب
واستمر الخليل في التمثيل لحروف العطف رفعا ونصبا وجرا حتى البيت رقم 162 من المنظومة. [/color]

لعل تساؤلا ملحا يطرح نفسه بقوة امامنا الآن، هذا التساؤل مفاده هو: كيف نعتمد على اقوال واخبار خلف الاحمر وقد كثر اتهام المؤرخين له بالانتحال والوضع ونقل الأخبار غير الموثوق بصحتها ؟ الا يمكن ان يكون ذكر خلف الاحمر لهذه المنظومة النحوية ونسبتها للخليل على لسانه مثارا للشك في تلك النسبة ؟ حيث يتهم في اخباره واشعاره ونسبتها الى اصحابها.

وللاجابة على هذا انه يمكن ان يكون لهذا السؤال وجاهته ومجاله لو ان الامر كان متعلقا بأبيات او بقصيدة لها غرض آخر، مثل المدح او الذم او ذكر يوم من أيام العرب او ذكر مثالب قبيلة ما او اثبات نسبة ما لبعض الاشخاص او غير ذلك من الاشياء التي يمكن ان تكون مثارا للوضع والانتحال، ان ثبت ذلك عن خلف الاحمر، اما وان الامر متعلق بقصيدة نحوية ليس الفرض منها اجتماعيا او سياسيا او مدحا او ذما، فان امر الشك لا مجال له هنا والسؤال القابل الذي يطرح نفسه في وجه هذا الشك هو لماذا يتخيل احد اسبابا غير حقيقية لخلف الاحمر كانت عاملا على نسبة هذه القصيدة للخليل بن أحمد ؟ واي اسباب هذه تلك التي تجعل خلف الاحمر حريصا على نسبة هذه القصيدة للخليل غير الحقيقة في وجود هذه النسبة ؟

واذا كان هناك من يشك في رواية خلف الاحمر للاشعار فان هناك ايضا من يثبت له الثقة والنزاهة يقول صلاح الدين الصفدي عن خلف (4) "كان راويه ثقة علامة يسلك الاصمعي طريقه ويحذو حذوه حتى قيل ؟ هو معلم الاصمعي، وعر والاصمعي فتقا المعاني واوضحا المذاهب وبينا المعالم" بل ان الزركلي ينقل قول معمر بن المثنى ان خلف الأحمر معلم الأصمعي ومعلم اهل البصرة (5) ولاشك ان كل هذه شهادات علمية جيدة في حق خلف واذا كان خلف كان ينتحل الشعر على بعض العرب فربما كان ذلك في بداية حياته وكان يقلد القدماء ليحاكي الفاظهم، يقول الصفدي (6).. "ولم يكن فيه ما يعاب به الا انه كان يعمل القصيدة يسلك فيها ألفاظ العرب القدماء وينحلها أعيان الشعراء" والخليل بن احمد كان معاصرا له فقد توفي خلف عام 180هـ 79م - تقريبا - على حد تعبير الزركلي في الاعلام (7) بالاضافة الى ان ألفاظ القصيدة لا تشابه ألفاظ القدماء فقد عبرت عن الخليل خير تعبير وتساوقت مع اشعاره الاخري في ألفاظها ومعانيها.

اما انتحال خلف للشعر الذي أشار اليه المؤرخون، فربما قد تم لفترة محدودة في مقتبل حياته. اقلع عن ذلك وتنسك وأعلن عن كل شيء انتحله ولنقرأ هذا النص المنقول عن ابي الطيب اللغوي (8) حيث يقول: "كان خلف الاحمر يصنع الشعر وينسبه الى العرب فلا يعرف ثم نسك وكان يختم القرآن كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك العظماء مالا عظيما على أن يتكلم في بيت شعر شكوا فيه فأبى ذلك وقال: قد مضى لي فيه ما لا أحتاج أن أزيد عليه. وكان قد قرأ أهل الكوفة عليه أشعارهم فكانوا يقصدونه لما مات حماد الراوية، فلما نسك خرج الى أهل الكوفة يعرفهم الاشعار التي أدخلها في أشعار الناس".

ان تنسكه وختمه القرآن كل يوم وليلة ورفضه لعرض بعض الملوك واصراره على اخبار الناس بما انتحله لتوبة صادقة وصارت بعد ذلك حياته أقرب الى الثقة منه الى الانتحال، ولهذا يبقى ما ورد في كتابه "مقدمة في النحو" عن نسبة المنظومة النحوية الى الخليل بن أحمد يقينا لا يرقى اليه شك اذ لو كانت القصيدة ليست للخليل لكان أعلن ذلك للناس أو حذفها من كتابه، لانه كان يشير الى المنحول المسموع فما بالنا بالمكتوب لديه، ولا أظن ان كتابه قد اشتهر وخرج الى الناس في حياته، ولو كان ذلك قد تم لكان قد أعلن انتحال هذه القصيدة أيضا على الخليل، ان الانتحال في رأيي لا يكون في نسبة قصيدة نحوية لصاحبها ولا اظن ان في الامر شيئا آخر غير الحقيقة. في هذه النسبة.

ولعل فيما يلي - اضافة الى قول خلف الاحمر - لدليلا على صحة نسبة المنظومة للخليل.

(1) وجود عشر نسخ من نص المنظومة المنسوبة للخليل، بخطوط لنساخ مختلفين بعضها في دائرة المخطوطات والوثائق التابعة لوزارة الثقافة والتراث القومي بسلطنة عمان، وبعضها في مكتبات خاصة مثل نسخة السيد محمد أحمد البوسعيدي ونسخة مكتبة الفاضل سالم بن حمد بن سليمان الحارثي بالمضيرب بشرقية عمان.

(2) نسبت القصيدة في النسخ السابقة الى الخليل بن احمد، باستثناء النسخة (ب) التي لم يذكر ناسخها نسبتها الى احد، والملاحظ ايضا ان قصيدة الخليل في النسخة (ب) لم تنسب لغير الخليل،فربما سقط من الناسخ ذكر مؤلفها نسيانا، وعلى هذا يلاحظ ان احدا لم ينسبها لغير الخليل بن أحمد ولم يشك احد من النساخ في ~ملك النسبة. وما ورد في نهاية النسخة (أ) من نص منظومة الخليل لا يعد من هذا القبيل. يقول الناسخ في نهاية منظمومة الخليل: "تمت قصيدة الخليل بن احمد العروضي رحمة الله عليه وعلى جميع المسلمين والمسلمات.آمين وصلى الله على محمد النبي الامي وآله وسلم تسليما، تم معروضا على حسب الطاقة والامكان والله أعلم بصحته"، فقد كان الناسخ أمينا مع نفسه وكان حريصا في مجموعه الذي ضم منظومة الخليل ان يقول تلك العبارة أو قريبا منها حتى تبرأ ذمته، بل ذكر صراحة في مرة من المرات ان مخطوطه الذي نسخه عرض على نسخة من بعض النسخ" وهذا يظهر امانته التي اقتضت منه تلك العبارة "والله أعلم بصحته" اذ لو كان يشك في تلك النسبة ما كان قد نسب المنظومة الى الخليل بن احمد صراحة في أولها، والقصد أن الله أعلم بصحة النص المقدم الذي نسخه.

(3) لم أجد أحدا من النساخ أو من غير النساخ يشك في صحة نسبة هذه المنظومة الى الخليل بن احمد إلا ما ورد على لسان الدكتور ابراهيم السامرائي عندما كان يتكلم عن المصطلحات النحوية في كتابه "المدارس النحوية" وتوقف امام مصطلح النسق. نجده يقول (9):"النسق من مصطلحات

الخليل، فقد جاء في "مقدمة في النحو" (10) ان للخليل قصيدة في النحو، جاء فيها بيتان يتحدث فيهما عن النسق وحروفه، مستعملا كلمة النسق، وهما:

فانسق وصل بالوار قولك كله

وبلا وثم واو فليست تعقب (ا1)

الفاء ناسقة كذلك عندنا

وسبلها(12) رحب المذاهب مشعب
واذا صحت هذه الابيات، ولا اراها تصح، فالذي يعنينا أن النسق قديم، وقد التزم به الكوفيون كما استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق".

ولست ادري بالمقصود بصحة هذه الأبيات عند الدكتور السامرائي ؟ هل يكون المقصود بصحة الأبيات صحة دلالتها على القضية المستشهد لها ؟ أم يكون المقصود صحة نسبة هذه الابيات على سبيل حذف المضاف من كلام الدكتور السامرائي، مع ملاحظة انه كان من الأفضل الا يترك هذا الأمر غامضا بحذف المضاف لما يترتب عليه من أحكام.

ويتأمل كلام الدكتور السامرائي نقول: لو كان المقصود بالكلام دلالته وصحته لكان هو المسؤول عن ذلك، لانه نقل الكلام خطأ من كتاب خلف الاحمر فأدى ذلك الى الاخلال بموسيقى البيت الثاني، وعدم انسجام المعنى في البيت الأول (تقعب). ولو كان القصد عدم صحة نسبة الأبيات الى الخليل فلم يقدم لنا دليلا على شكه، فما اسهل ان ينفي الإنسان شيئا دون تعليل، علاوة على انه استشهد بالابيات على قضية استخدام البصريين - ومنهم الخليل - لكلمة النسق قائلا:"استعمله البصريون ليفرقوا في باب العطف بين عطف البيان وعطف النسق" وفي هذا اعتراف له بانها قصيدة الخليل وكأن كل همه كان في اثبات وجود مصطلح النسق عند البصريين. ويبدو ان الدكتور السامرائي لم يشأ أن يتعب نفسه في التأكد من استخدام الخليل لهذا المصطلح. ولو توجه الى كتاب الجمل الذي حققه الدكتور فخر الدين قباوة، والذي نسب الى الخليل لكان قد وجد هذا المصطلح يتردد كثيرا على لسان الخليل في كتابه "الجمل" (13).

(4) لعل تعليق الاستاذ "عزالدين التنوخي" الذي حقق كتاب خلف الاحمر "مقدمة في النحو" يحمل دلالة خاصة على ما نحن فيه. فعندما اشار خلف الاحمر الى حروف العطف قال: "وقد ذكرها الخليل بن احمد في قصيدته في النحو، وهى قول الشاعر... الخ" حينئذ يعلق عزالدين التنوخي على "قول الشاعر" قائلا (14): "وصواب التعبير أن يقال (وهي قوله) لعودة التعبير على متقدم ولعله اراد ان يشير الى ان الخليل كان شاعرا، وكان بالفعل شاعرا، والنحاة لا يذكرون ان له قصيدة في النحو، وان كانت كتب المصنفين، لا تذكر بأجمعها في اثبات مصنفاتهم، فعلى هذا تكون هذه القصيدة _ ان صحت نسبتها ~ هي من جملة ما ضاع من كتب الخليل”.

هذا النص - على قصره يكشف عما يلي:
(أ) ان كتب المصنفين لا تذكر بأجمعها في اثبات مصنفاتهم، وعلى هذا فلا غرابة ان يكون للخليل تلك القصيدة النحوية دون أن تذكرها الكتب، وبالتالي دون نسبتها اليه.

(ب) ضياع جزء كبير من مؤلفات الخليل، وهذا واضح أيضا من خلال كتب التراجم والسير ومعاجم المؤلفين، وبهذا يمكن ان تكون تلك القصيدة النحوية قد طمرت حبيسة المجاميع اللغوية وغير اللغوية حتى كشف عنها الستار.

(ج) تكشف هذه القصيدة عن شاعرية الخليل بن احمد العميقة بأمثلتها الغزلية ومعانيها الرقيقة وابتعادها عن الاسلوب الجاف الذي يحكم المنظومات النحوية غالبا مما يجعلنا نميل الى تسميتها "قصيدة” لا "منظومة" ولعل هذا ما جعلها مطمورة ضمن أعمال الخليل الشعرية دون اهتمام من النحاة بها حيث انها دالة على شاعر يته لا على كونه ناظما او قائلا منظومة نحوية.

(5) من الادلة الواردة التي تثبت صحة نسبة هذه القصيدة الى الخليل بن احمد ألفراهيدي ما قاله صاحب كتاب "اتحاف الاعيان" (15) من ان للخليل عدة اشعار منها البيتان والثلاثة ومنها أكثر من ذلك، ثم قال: "ومن نظمه قصيدة في النحو أولها:

الحمد لله الحميد بمنه أولى وأفضل ما ابتدأت وأوجب = حمدا يكون مبلغي رضوانه وبه أصير الى النجاة وأقرب
واستمر المؤلف في ذكر قصيدة الخليل حتى البيت رقم 26 الذي يقول فيه الخليل:

فاذا نطقت فلا تكن لحانة فيظل يسخر من كلامك معرب

ثم قال بعد هذا البيت مباشرة (16) عن قصيدة الخليل النحوية:

وهي اطول من هذا يقول في آخرها:


النحو بحر ليس يدرك قعره = وعر السبيل عيونه لا تنضب
فاستغن أنت ببعضه عن بعضه = وصن الذي علمت لا يتشعب
واستمر في ذكر ما جاء عن الخليل، من اشعار أخرى مثل قوله:

يا ويح قلبي من دواعي الهوى = اذ وحل الجيران عند الغروب

اتبعتهم طرفي وقد أزمعوا = ودمع عيني كغيض الغروب

بانوا وفيهم طفلة حرة = تفتر مثل أقاحي الغروب
ولعل ذكر منظومة الخليل النحوية ضمن اشعاره في المؤلفات المختلفة لدليل على ما سبق وقلناه من ان ذلك كان سببا في عدم ظهور وكشف هذه المنظومة الشعرية للخليل، وايضا فان النص الوارد في كتاب "اتحاف الأعيان" لدليل على صحة نسبة هذه القصيدة للخليل بن احمد دون شك في تلك النسبة.

رابعا: الخليل وقطرب

لقد ذكر الخليل في منظومته النحوية (قطربا) (17) النحوي لا على سبيل التمثيل، بل ان ذكره تجاوز ذلك فقد ذكر الخليل رأيا لتطرب في باب "التاء الأصلية وغير الأصلية" أي ما آخره ألف وتاء دالا على الجمع حيث يشير الخليل الى انه اذا كانت التاء زائدة فانها تنصب بالخفض (بالكسرة) وهو المعروف لدينا جميعا بجمع المؤنث السالم مثل: عمات جمع عمة. اما اذا كانت التاء زائدة فان نصبها يكون بالفتحة وقد عبر الخليل عن الأولى بقوله: "فخفض نصبها" في قوله: (18)

والتاء ان زادت فخفض نصبها = ما عن طريق الخفض عنها مهرب

فتقول ان بنات عمك خرد = بيض الوجوه كانهن الربرب

اما الثانية -وهى التاء الزائدة - فقد عبر عنها بالنصب فقط مشيرا الى ان "قطربا" - كذلك -ينصبها يقول الخليل (19)

ودخلت أبيات الكرام فاكرموا = زوري وبشوا في الحديث وقربوا

وسمعت أصواتا فجئت مبادرا = والقوم قد شهروا السيوف واجلبوا

فنصبت كا أن أتت أصلية = وكذاك ينصبها أخونا قطرب
ويمكن ان يكون الأمر لا اشكال فيه لو انه ذكر "قطربا" في تمثيل لقاعدة ما، اما وان الامر هو نسبة رأي اليه فان الاشكال واقع من هذه الزاوية وهنا تثور في الذهن أسئلة كثيرة، اذ كيف يذكر الخليل (قطربا) وهو_ اي تطرب _ لم يتتلمذ على يديه ؟ بل انه تتلمذ على يد أحد تلاميذ الخليل وهو سيبويه، الا يمكن يكون ذكر الخليل لتطرب مدعاة لان نشك في نسبة هذه القصيدة للخليل وانها منحولة عليه، فلم تذكر كتب التراجم والسير والتاريخ اية علاقة بين الخليل وتطرب، اضافة الى ذلك ان الخليل مات قبل موت تطرب باحدي وثلاثين سنة، هذا على شهرة تلك الرواية التي تذكر أن وفاة الخليل كانت عام 175هـ (20) ووفاة تطرب كانت عام 206هـ (21) فكيف يذكر الخليل "قطربا" مع وجود هذا الفارق الزمني بينهما - ويظل يقين نسبة القصيدة الى الخليل قائما، وهذا موطن التشكك الذي يهدم فكرة ان تكون هذه القصيدة من عمل الخليل.

ساورتني شكوك كثيرة، وانا في بادىء أمر تحقيق نسبة هذه القصيدة عندما كنت اعيد قراءة هذا البيت واسترجع تواريخ الوفاة بشكل خاص لكل من الخليل وتطرب وتلاميذ الخليل، لكن تأمل هذه التواريخ جيدا والاطلاع على طبيعة الحياة في البصرة في ذلك الوقت، بالاضافة الى عوامل أخرى، منها امور نصية، كل هذا هو الذي فك طلاسم المشكلة واضاء الطريق، بل واضاف الى كثيرا من الراحة لتحقيق نسبة هذه القصيدة الى الخليل، ولنتتبع مراحل هذا التحقيق فيما يلي:

يشير صاحب كتاب الاعلام، الى ان وفاة قطرب كانت سنة 206 هـ - 821م (22) على الرأي الاشهر، وكتب التراجم لم تشر الى انه تتلمذ على يد الخليل بن احمد، لكنها تشير الى انه تتلمذ على يد سيبويه، وسيبويه تتلمذ على يد الخليل، والخليل توفي عام 175 هـ - كما أوردنا سلفا - واذا كان الامر كذلك فلا لقاء متخيلا بين الخليل وقطرب، بل ليست هناك علاقة علمية مباشرة بينهما متخيلة او مجسدة، والحقيقة ان المتأمل في حياة تلاميذ الخليل يمكن أن يستنبط أشياء مهمة تغير مجرى التخيل او التصور الذي يطر أعلى الذهن من اول وهلة.

ان كتب التراجم تشير الى ان النضر بن شميل بن مالك بن عمرو التميمي النحوي البصري الثقة كان من تلاميذ الخليل (23)، بل ان بعض الكتب تشير الى انه كان من أصحاب الخليل (24) أما عن وفاته فيقول ابن خلكان (25) عنه "وتوفي في سلخ ذي الحجة سنة اربع ومئتين وقيل في اولها وقيل سنة ثلاث ومئتين بمدينة مرو من بلاد خراسان" والنظر القريب والمقارنة يؤكدان ذلك التقارب الشديد بين وفاة قطرب (206/هـ) ووفاة النضر بين شميل (204هـ) اي ليس بينهما سوى عامين فقط بالنسبة لتاريخ الوفاة. ولم تذكر كتب التراجم عن الأول انه تتلمذ او قابل الخليل، والثاني ذكر عنه انه تتلمذ على يد الخليل وكان صديقا له والسؤال الذي يواجهنا بشدة هو هل يمكن ان يكون العامان فرقا زمنيا كبيرا الى هذا الحد الذي يجعل النضر بن شميل تلميذا للخليل وصديقا له، ويجعل تطربا بعيدا عن الخليل فلا صداقة ولا ذكر ولا معرفة اطلاقا؟ اعتقد ان العامين ليس لهما هذا التأثير الكبير، وانما لابد من وجود شيء ما جعل المؤرخين يقفون من تطرب موقفا سلبيا بصمتهم عن تلك العلاقة بين الخليل وتطرب وخاصة اذا تأملنا ما يلي:

(أ) امتلأت كتب التراجم والتاريخ عن ان سيبويه قد تتلمذ عل يد الخليل وأن الاول كان أنجب تلاميذه على الاطلاق وعلى ما تذكره كتب التراجم توفي سيبويه عام 161161 هـ أو 177 هـ (26) ,,,, الخ وقيل غير ذلك. اي كانت وفاته قبل الخليل (وهو مستبعد) او بعد الخليل بزمن يسير (وهو الاقرب الى المنطق ) وذكرت الكتب ايضا ان قطربا كان يبكر الى سيبويه قبل حضور احد من تلاميذه فقال له "ما أنت الا قطرب ليل فبقى عليه هذا اللقب" (27).

واستمرار قطرب في التبكير الى سيبويه يحتاج الى زمن ليس بالقليل حتى يشعر به سيبويه ويطلق عليه هذا اللقب، وهذا يدل ايضا على حرص تقرب على تحصيل العلم منذ صغر سنه اذا اضفنا الى ذلك وجود تطرب في بصرة الخليل حيث كان الخليل مل ء العين والسمع فلنا ان نتخيل سعي قطرب للاخذ من علم الخليل وان الخليل كان عالما به عارفا اياه، وان ذكر الخليل لقطرب ليس مستغربا.

(ب) والخليل نفسه ذكر سيبويه في نص من نصوصه التي نسبت اليه محققة، فقد ورد في كتاب الجمل في النحو (28) تصنيف الخليل بن احمد الفراهيدي في باب جمل الواوات عندما كان الخليل يتكلم عن واو الاقحام وذكر قول الله تعالى(29): (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) ان معناه:

يصدون، والوار فيه اقحام. قال الخليل: "ومثله قول الله عز وجل (30): (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا) معناه: ناديناه والوار حشو على ما ذكر سيبويه النحوي هكذا ذكر الخليل تلميذه سيبويه (31) ونسب رأيا له ولا ضير في ان يذكر الاستاذ تلميذه، ولهذا فذكر الخليل لتطرب لا يدعو الى الدهشة اذا تأكد لنا حرص تطرب عل العلم والتبكير اليه وشففه به فليس من المعقول ان يعيش بالبصرة في تلك الفترة ولا يقابل الخليل او لا يأخذ منه شفافة ولهذا نجد ابن خلكان يقول عن قطرب انه "اخذ الادب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين " (32) ترى من هم هؤلاء العلماء ؟ لا ندري !! وايضا لا ندري لم سر هذا التجاهل لتلك العلاقة

العلمية المنطقية، واذا كان ابو محمد اليزيدي بن المغيرة العدوي قد توفي متزامنا مع تطرب كما يذكر ابن خلكان سنة 202 هـ (33) ولكنه "أخذ عن الخليل من اللغة امرا عظيما وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له (34)، اقول اذا كان "اليزيدي" تتلمذ على يد الخليل واخذ عنه من اللغة امرا عظيما، بل عاش معه فترة اكتشافه لعلم العروض، وكانت وفاته متزامنة مع قطرب. أفلا يكون الأمر مثيرا ان تجاهلت كتب التراجم شأن تلك العلاقة.

(جـ) من الملاحظ أن قطربا قد اهتم ببعض الموضوعات التي اهتم بها الخليل فتذكر الكتب (35) ان له كتاب القوافي وكتاب العلل في النحو والخليل كان من اوائل النحاة الذين اهتموا بالعلة ان لم يكن اولهم على الاطلاق. يقول ابو القاسم الزجاجي (36): "وذكر بعض شيوخنا ان الخليل بن احمد، سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك ؟ فقال: ان العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله وان لم ينقل ذلك عنها، واعتللت انا بما عندي انه علة لما عللته منه فان أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وان تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام وقد صحت عنده حكمة بانيها..." وعلق الزجاجي في نهاية نص الخليل قائلا: "وهذا كلام مستقيم وانصاف من الخليل رحمة الله عليه".

واذا كان _على ما يبدو من الخبر السابق - ان الخليل أول من تحدث عن العلة، وقطرب أول من ألف عنها كتابا مستقلا. الا يمكن أن يكون هذا تأثيرا مباشرا من أستاذه الخليل ؟ ومثل هذا ايضا يقال عن علم القوافي الذي كان أول من تحدث عنه وكان قطرب من اوائل - ان لم يكن أول - من ألف كتابا عنه الا يكون الأمر منطقيا عندما نقول انه تأثير من الخليل مباشر على قطرب ؟

ونضيف الى ما سبق كثرة مؤلفات تطرب الى حد لافت للنظر ويمكن ان تؤدي هذه الكثرة الى التأكيد على وجود سر ما في تجاهل كتب التراجم لعرض حياة قطرب تفصيلا، فقطرب "له من التصانيف كتاب معاني القرآن وكتاب الاشتقاق وكتاب القوافي وكتاب النوادر وكتاب الازمنة وكتاب الفرق وكتاب الاصوات وكتاب الصفات وكتاب العلل في النحو وكتاب الأضداد وكتاب خلق الفرس، وكتاب خلق الانسان وكتاب غريب الحديث وكتاب الهمز، وفعل وافعل والرد على الملحدين في تشابه القران وغير ذلك" ( 37).

ولعل فيما مضى أدلة على عدم الغرابة في ان يذكر الخليل قطربا وينسب رأيا ما له مما يؤدي _في نهاية الأمر الى القول بأن ذكر قطرب في المنظومة النحوية للخليل لا يمثل مشكلة ما في نسبتها اليه او التشكك في تلك النسبة.

وفي نهاية المطاف نستطيع أن نؤكد أن هذه المنظومة النحوية انما هي للخليل بن احمد الفراهيدي، وان نسبتها اليه صحيحة لا شك فيها، وسنقوم بدراسة هذه القصيدة فنيا لمعرفة مذهب الخليل النحوي، ويبقى لهذه المنظومة أنها أول منظومة نحوية كتبت في تاريخ النحو العربي.

الهوامش

(1) أبو سرور حميد بن عبدالله بن حميد بن سرور الجامعي، رجل سنة وفقيه عماني من مؤلفاته كتاب الفقه في اطار الادب، قصيدة رائية في النحو - دوران شعر. له «ألفية في النحو» لم تطبع بعد، ويقوم بشرحها الآن.

(2) خلف الأحمر هو ابو محرز مولى بلال بن ابي بردة راوية عالم بالأدب شاعر من أهل المبصرة له ديران شعر وكتاب جبال العرب وكتاب مقدمة في النحو.

(3) كتاب «مقدمة في النحو» لخلف الاحمر 180هـ ص 85، 86 تحقيق الاستاذ عزالدين التنوخي وزارة الثقافة والارشاد القومي مطبوعات مديرية احياء التراث القديم _دمشق 1381هـ - 1961م.

(4) الوافي بالوفيات 17/ 354

(5) الأعلام للزركلي 2لم 310

(6) الوافي بالوفيات 13 / 354

(7) الاعلام 2/310 وانظر الوافي بالوفيات 13/353

(8) الوافي بالوفيات 13/355

(9) في كتابه «المدارس النحوية » اسطورة وواقع ص 135/ 136 دار الفكر_ الاردن _ عمنان الطبعة الأولى 1987م

( 10) يقصد كتاب خلف الاحمر

(11) تلاحظ كلمة القافية "تقعب" التي جاءت مخالفة لما جاء في كتاب خلف الاحمر نفسه وكل نسخ المخطوطة فقد وردت الكلمة «تعقب»

(12) وردة كلمة "وسبلها" بدلا من وسبيلها، والاول خطأ لانها تؤدي الى الاخلال بموسيقى البيت، وهي ايضا مخالفة لما جاء في كتاب خلف «مقدمة في النحو» وكذلك لما ورد في جميع نسخ المخطوطة.

(13) نسب هذا الكتاب الى الخليل بن احمد وقد قرأت جزءا من هذا الكتاب مخطوطا اثناء زيارتي للمكتبة السليمانية عام 1994م باستانبول في تركيا وقد ورد جزء من هذا الكتاب بعنوان «جملة الآلات الاعرابية في النحو»، وقد طبع كتاب «الجمل في النحو العربي تصنيف الخليل بن احمد الفراهيدي تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة. مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثانية 1407هـ_ 1987م.

وقد ورد هذا المصطلح في مواضع كثيرة نذكر موضعا واحدا على سبيل المثال يقول الخليل ص 285، 286 تحت عنوان «وراو العطف وان شئت قلت واو النسق» «وكل واو تعطف بها آخر الاسم على الاول او آخر الفعل على الاول (1و آخر الظرف على الاول ) فهي واو العطف. مكر قولك: كلمت زيدا ومحمدا، ورأيت عمرا وبكرا نصبت (زيدا) بايقاع الفعل عليه، ونصبت محمدا، لانك نسقته بالوار على زيد، وهو مفعول به» والملاحظ هذا التناسق والتوافق بين ما ورد في منظومة الخليل وما ورد على لسانه في كتابه «الجمل في النحو العربي».

(14) هامش صفحة رقم 86 من كتاب «مقدمة في النحو».

(15) اتحاف الاعيان في تاريخ بعض علماء عمان تأليف الشيخ سيف بن حمود بن حامد البطاشي. الطبعة الأولى 1413هـ 1992م الجزء الاول

(16) السابق نفسه.

(17) هو محمد بن المستنير بن احمد ابو علي الشهير بقطرب، نحوي عالم بالادب واللغة من أهل البصرة من الموالي، هو اول من وضع المكث في اللغة، أخذ الادب عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين، وكان حريصا على الاشتغال بالعلم والتعلم، وكان يبكر الى سيبويه قبل حضور احد من التلاميذ، فقال له ما انت الا تطرب ليل، فبقى عليه هذا اللقب، وقطرب اسم دويبة لا تزال تدب ولا تفتر، توفي سنة 206هـ.

انظر الاعلام للزركلي 7/95، وفيات الاعيان لابن خلكان 4/ 312 تحقيق احسان عباس دار صادر بيروت 1999م وانظر في معنى «قطرب» معجم «العين» للخليل بن احمد 5/257 دار ومكتبة الهلال سلسلة المعاجم والفهارس تحقيق الدكتور ابراهيم السامرائي والدكتور مهدي المخزومي.

(18) البيتان 86، 87من المنظومة النحوية للخليل.

(19) الابيات من 89_ 91.

(20) وفيات الاعيان 2/248، اتحاف الاعيان 1/67 اعلام العرب 69 تأليف عبدالصاحب عمران الدجيلي الطبعة الثانية مطبعة النعمان النجف 1386هـ / 1966م.

(21) الاعلام 7/ 95 وفيات الاعيان 4/312.

(22) الاعلام 7/ 95، وفيات الاعيان 4/312.

(23) هو ابو الحسن النضر بن شميل المازني التميمي اخذ عن الخليل ويقال انه أقام بالبادية اربعين سنة، وهو اول من اظهر السنة بمرو وخراسان وقد غلبت عليه اللغة وله فيها كتاب الصفات وله ايضا المدخل الى كتاب العين وغريب الحديث والمصادر وتوفي سنة 203هـ،

انظر وفيات الاعيان 5/ 379هـ - مراتب النحويين 68.

( 24) وفيات الاعيان 5/ 379.

(25) السابق 5 / 404.

(26) السابق 3/ 464.

(27) السابق 4/ 312.

(28) ص 288.

(29) سورة الحج الآية 25.

(30) سورة الصافات الآيات من 103_ 105.

(31) انظر رأي سيبويه في الكتاب 3/ 163 وقد علق سيبويه على الآية الكريمة: (وناديناه أن...) قائلا: «كإنه قال جل وعز: ناديناه أنك قد صدقت الرؤيا يا ابراهيم ».

(32) وفيات الاعيان 4/ 2ا3.

(33) السابق 7/ 189.

(34) السابق 7/ 184.

(35) الاعلام 7/ 95 وفيات الاعيان 4/ 312.

(36) الايضاح في علل النحو تحقيق الدكتور مازن المبارك دار النفائس بيروت الطبعة الخامسة 1406هـ -1986 م انظر ص 65من الايضاح

(37) الاعلام 7/ 95وفيات الاعيان 4/312
وسوف نورد المنظومة كاملة ان شاء الله ولقد نقلت هذا الموضع لما فيه من الانصاف والحقائق التي تثبتها جميع المراجع التي لدي. كما انا استاذنا الجليل اعفيفي ابدع وانصف وليس غريب فلفراهيد عاش قومه في عمان بعد ان هاجر من ارض دوس بالمملكة العربية السعودية فنجد لهذا العالم تقدير لا مثيل له عند العمانيين.

ترتيب الحروف عند الفراهيدي

يعد كتاب (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي أول محاولة فكرية وعملية ناجحة لوضع معجم عربي، وقد رتبت مفرداته على الأساس الصوتي حيث تبدأ بالحروف الحلقية فاللسانية فالشفهية ثم الهوائية.

وقد رتب الفراهيدي الحروف بحسب مخارجها عند النطق فاقصاها مخرج يرد اولا في الترتيب وادناها في الشفتين اخرا . وبين الاقصى والادني رتب الحروف بحسب المخارج المتعاقبة ( ع ح ه خ غ ق ك ش ض ص س ز ط د ذ ث ر ل ن ف ب م أ ي ). وهذه عبقرية والا كيف بمكان تعقب الحروف بحيث يعرف ايها افصى الحلق وايها ادناه بعد ذلك لم يكتفي الخليل بهذ بل رتبها حسب ابنية الكلمة فاما ثنائية او ثلاثية او رباعية او خماسية . وقد اسمى كتابه (العين) لأن الحرف ( ع) هو اول الحروف

تمتع الخليل بحاسة مفرطة للصوت والنغم والايقاع. وكان ملم بصور اللفظ العربي استنادا على اصوله اللفضية الاربعة القائمه تنائي وثلاثي ورباعي على نحو(فع،فعفل،فعلل، وفعلل(بتشديد اللام الثانية).
وكان يتقصى المعاني بشواهد من الشعر العربي القديم واهده هذا استخراج صور الشعر بعد تفريغه من مادته وهذا هو اوزان الشعر العربي وبحوره.
وفي ذات مرة كان لبفراهيدي يمشي ويردد بيتا من الشعر فسمع مطرقة على طست (صحن) فاذا هو يستنتج من وقع المطرقة ( مقارنة بين ايقاع المطرقه وبين ايقاع الفاظ بيت الشعر) ومن هنا جائته فكرة تقطيع الشعر تقطيعا ادى به الى اكتشاف وحصر بحور الشعر العربي

ومما يفند قدسية الحرف العربي باعتباره حرفا قرآنيا أن إصلاح الخط العربي قد بدأ مبكرا، فأدخل أبو الأسود الدؤلي نسق المصوتات القصيرة إلى النظام الكتابي العربي في صورة نقط فوق الحرف وتحته وأمامه، ثم حسنه وطوره الخليل بن أحمد الفراهيدي، فاستوى في صورة ما يعرف اليوم عندنا بـ"الشكل"، وبالتالي فالمصوتات القصيرة موجودة وتدوينها التنضيدي لا يقلل من قيمتها، والاستغناء عنها مرهون بشرط انعدام اللبس.
ومن ذلك أيضا أن اختراع الخليل بن أحمد الفراهيدي للهمزة وخضوع الطريقة التي تكتب بها للمصوتات (فوق الألف والواو والياء) قلص إلى حد كبير مجال اشتغال الحركات، وهكذا أصبح للنسق الصوتي العربي نظام يتكون أولا من أحرف المد وقواعدها، ثم من الهمزة وقواعدها، وأخيرا من وضع الحركات التي تضاف إلى الحروف فوقها أو تحتها خوف اللبس، فكان ذلك صمام أمان للكلمة العربية، حفظها شكلا ومضمونا من فساد الفهم .

من اقوال الفراهيدي
المعنى اللغوي للصحبة
قال الخليل الفراهيدي : (كلّ شيء لاءَم شيئاً فقد استصحبه ، والصحابة : مصدر صاحَبَكَ ، الصاحب يكون في حالٍ نعتاً ولكنّه عمّ في الكلام فجرى مجرى الاسم)

الرجال أربعة: «فرجل يدري ويدري أنـَّه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنـَّه يدري فذلك غافل فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنـَّه لا يدري فذلك جاهل فعلِّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنـَّه لا يدري فذلك مائق أحمق فارفضوه»، ونظر أهل المجلس إلى الفزاري وقد تصبب عرقا»

من شعرالفراهيدي
لو كنت تعقل ما أقول عذرتنى = أوكنت أعقل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني = وعلمت انك جاهل فعذرتكا
يقول الازدي في تاريخ الموصل :
حدثني عمر بن حفص عن النضر بن شميل قال : دخلت مع الخليل بن احمد الفراهيدي الدزسي على أبي ربيعة الأعرابي – وكان فصيحا – فقال لنا: ( استووا) فلم ندر ما قال لنا ، فقال الخليل : يقول لكم : - ارتفعوا) استخرجها من قول الله تعالى : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان) يريد : ارتفع ، ثم قال لنا أبو ربيعة : هل لكم في لحم قديد وخبز فطير ولبن نمير ؟ فقلنا : ( ما بنا أكل) فقال ( سلاما) فلم ندر ما قال ولا ما اراد فقال الخليل : ( إنه يقول : متاركه ) استخرجها من قول الله عز وجل : ( واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً )
يتبع

اسهام الفراهيدي في الخط العربي

رحلة الخط العربي.. من الكتابة النبطية إلى المدرسة الدمشقية

عرفت الحضارة العربية الوانا متعددة من الفنون منذ فجر الاسلام تنوعت في ابداع جمالي وصيغت بمفاهيم ميزتها عن باقي الامم وقد تفاعلت مع فنون اهل البلاد الاخرى التي دخلها الاسلام وانتشر فيها وذلك في فن العمارة والموسيقى وغيرهما.

وينفرد الخط العربي بشكل متميز عن سائر الفنون الاخرى فهو فن اصيل يمتلك امكانيات جمالية لا يمتلكها اي حرف في اية لغة في العالم وقد جاء هذا التطور عبر زمن طويل ساهمت فيه عبقريات فنية ساعدت على اثراء هذا التراث.

والخط العربي معلم بارز من معالم الابداع الفني عند العرب استخدمته شعوب عديدة من اهل المشرق والمغرب والترك والفرس والهنود واهل الملايو والافارقة والمسلمين في البلقان واوروبا.

وقد تبوأ الخط العربي هذه المنزلة الرفيعة المتميزة في التراث الحضاري لانه الى جانب تعبيره الفني ينقل لنا الكلمة المقدسة ذات المعنى فتتحد الثقافة بالفن فيصبح من اعظم وسائل المعرفة للانسان.


ويرى الخطاط احمد المفتي ان فن الخط العربي مر بتطورات عبر الزمن فقد قام علماء ثقات بإجراء دراسات فثبت عندهم بالتمحيص العلمي ان الخط العربي قد تطور عن الكتابة النبطية وان عرب الجزيرة اخذوا كتابتهم عن ابناء عمومتهم الانباط الذين هاجروا الى جنوب البحر الميت وشرقه في القرن الخامس قبل الميلاد وقد احتك ابناء مكة القرشيون بأبناء عمومتهم الانباط الذين ورثوا خطهم من الاراميين اذ كانت دمشق موطن الحرف يتعلمه الكبار والصغار في معبد «حدد» الارامي حيث طوروا الخط الارامي وكتبوا به وحين حمل التجار القرشيون بضاعتهم من خلال رحلة الشتاء والصيف الى الجزيرة العربية كان الخط الارامي النبطي احد اهم العناصر التي حملها التجار فكتبوا بهذا الخط بعد ان هذبوه وطوروه.. حتى جاء الاسلام الذي عني بالخط عناية فائقة وذلك من خلال القرآن الكريم فارتقى في مسالك الفن حتى بلغ حد الاعجاز على يد المسلمين وغدت له اشكال وانواع وقواعد ورسوم وهيئات يعجز عنها الوصف.

ويؤكد الخطاط المفتي ان الخط العربي في اول الامر اتخذ اسم المدينة والمكان فكان الخط النبطي نسبة للانباط والخط الحيري والانباري نسبة للحيرة والانبار والخط المكي ثم الخط المدني بعد الهجرة ولما انتقل الثقل السياسي الى العراق في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلي بن ابي طالب كرم الله وجهه انتقل الخط المدني الى الكوفة وعرف بالخط الحجازي الى ان جوَّد الكتاب في الكوفة اقلامهم وهندسوا اشكال الحرف.. وقد تميز عن خط الحجاز واطلق عليه اسم الخط الكوفي وقد ذاع صيته في الاقطار والامصار في حين اتخذ الخط في العهد الاسلامي شكلين الاول يابس والثاني لين فاليابس هو الذي تطور عنه الخط الكوفي واللين هو الذي تطور عنه خط النسخ كذلك فاليابس هو للكتابة الجليلة العظيمة والذي كتبت به المصاحف الاولى واللين للتدوين اليومي وكتابة الرسائل وغير ذلك من شئون الحياة اليومية.

ويرى الباحث والخطاط السوري المعروف احمد المفتي انه اذا كانت الكوفة قد طورت الخط المدني واخضعته لقواعد الصنعة فان دمشق قد دفعت به مراحل نحو التقدم والتحسين ونتج عن ذلك طريقة خاصة اطلق عليها الخط الشامي الذي ذكره ابوحيان من طرائق الخط الكوفي وكان من الطبيعي ان يظهر الخط الشامي في دمشق ايام الامويين عاصمة الملك بالاضافة الى ذلك ظهرت طرق جديدة من الخط الكوفي في الاقاليم المفتوحة فمنذ افتتاح مصر سنة 022 هـ انتقل اليها الخط المدني ثم الخط الشامي مع الفاتحين وانشأ عقبة بن نافع سنة خمسين للهجرة مدينة القيروان فما لبث ان ظهر فيها الخط القيرواني الذي ذكره ابوحيان في رسالته وابن خلدون في مقدمته.

فانتقال الخط الى شمال افريقيا كان عن طريق المدينة اولا والشام ثانيا ومنذ تأسيس القيروان سنة «50 هـ» وحتى سقوط الدول الاموية سنة «132هـ» هـ كان الخط القيرواني قد انطلق وثبت وتطور ولم يدخل في ذلك الخط الاندلسي لانه ظهر بعد فترة طويلة من سقوط الدولة الاموية وبعد مبايعة عبدالرحمن الداخل في قرطبة سنة «139 هـ».

وعن تطور شكل الخط العربي وهيأته يؤكد الخطاط المفتي على ان التطور الاول للخط العربي كان على يد ابي الاسود الدؤلي بارشاد من الخليفة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه فقد كان ابوالاسود اعلم عصره بكلام العرب وهو واضع علم النحو على الصحيح وقد سمع قارئا يتلوا القرآن الكريم «ان الله بريء من المشركين ورسوله» فقرأ بجر اللام من كلمة رسوله، فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال: «عز وجه الله أن يبرأ من رسوله» وجلس بين يدي امير المؤمنين علي كرم الله وجهه مستمعا الى توجيهه وارشاداته ومن ثم ليقرأ المصحف على كاتب لقنه فصيح اللغة يأمره بوضع نقطة حمراء فوق الحرف دلالة على الفتحة ونقطة تحته دلالة على الكسرة ونقطة بين يدي الحرف دلالة على الضمة ونقطتين دلالة على التنوين.

وقد كان هذا هو التطور الاول للخط لوضوح اصول النحو وكان هذا النقط هو اعراب الكلمة بالفتحة والكسرة والضمة لا نقط الباء والفاء والثاء.. كما يتوهم بعض العامة.
وتأتي اهمية العمل الذي قام به ابوالأسود الدؤلي من انه شكل بدقة كلمات المصحف من اوله لآخره بالمنهج الذي وضعه وهذا حدث هام في تاريخ الخط والقرآن والنحو والكتابة.
ثم كان التطور الثاني وهو نقط الحروف المعجمة زمن الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان على يد مضر بن عاصم الليثي المتوفي سنة 89 هـ ويحيى بن يعمر المتوفي سنة «126» هـ وذلك لما كثر اللحن وعظم التصحيف.
اما التطور الثالث والمعجز للخط العربي فكان على يد العالم العبقري الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة «175» هـ وكانت الخدمة الجلية التي قدمها هي ابتداعه التشكيل المعروف في هذه الايام وبذلك تخلصت الحروف من الالوان وغدا الخط العربي في جمال والق.

ويقول الخطاط المفتي: ما ان جاءت الدولة الفاطمية حتى نافست العباسيين في العراق بجودة الخط وقد تقدم الخط العربي تقدما عظيما واصبحت له مدارس عامرة واساتذة يعلمون الخط بعناية وتدبير وقد ظل الحال كذلك حتى عصر المماليك وبقيت بلاد الشام المعين الذي يرفد العالم الاسلامي بأجمل الخطوط.

فقد كان الخط يرقى ويتطور ويأخذ القيمة الجمالية في عهد السلاجقة عهد نور الدين الزنكي وخلفه صلاح الدين الايوبي.

من جهة اخرى ارتفع شأن الخط العربي على يد الخطاطين زمن الدولة العثمانية ووصل على ايديهم الى قمة المجد والجمال وقد فتحت له المدارس فكانت مدرسة تحسين الخط في الاستانة سنة 1326 هـ ومدرسة تحسين الخطوط في كل من الاسكندرية والقاهرة.. وقد اقبل على الخط الامراء والملوك وخاصة الناس وظهر على رأس المدرسة العثمانية شيخ الخطوط واستاذها الشيخ حمد الله «1429 ـ 1520 هـ» وكان يكتب بأسلوب ياقوت المستعصمي الذي طور اسلوبه وبرع في خطي النسخ والثلث وكتب القرآن الكريم بخط نسخي خالف فيه قواعد الأوائل فجاء جميلا مختزلا.. من بعده جاء الخطاط الحافظ عثمان الذي قام بعملية تشذيب وتهذيب لاسلوب الشيخ حمد الله فكان سيد النسخ بلا منازع.

هذا وقد بلغ الخطاطون في العهد العثماني حد الاعجاز في اتقان الخط فظهر منهم عمالقة واعلام امثال اسماعيل الزهدي ـ مصطفى الراقم ـ سامي افندي ـ نظيف بك ـ عمر وصفي ـ امين يازيجي ـ اسماعيل حقي ـ عبدالله الزهدي الدمشقي ـ حامد الامدي ـ حليم اوزيازجي وغيرهم الكثير.

وقد ظهر في العهد العثماني انماط جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل الخط الرقعي والخط الديواني والخط الديواني الجلي وخط السياقت وخط الظفراء وخط قرمة تعليق والخط السنبلي وقد اتخذت هذه الخطوط سبيلها في الحياة العملية واصبح الخط الذي نكتب به اليوم هو خط الرقعة وغدا خط النسخ الدمشقي خط الكتب والمطبوعات وغيرها.

في مطلع القرن الماضي ظهرت المدرسة الدمشقية في الخط العربي على ايدي مجموعة من الرواد الاوائل نذكر منهم: مصطفى السباعي ـ ممدوح الشريف ـ بدوي الديراني ـ سليم الحنفي ـ صبحي البيلاني ـ حسين صديق البغجاتي ـ محمد علي الحكيم ـ موسى الحلبي ـ الشيخ محمد الزرزور ـ حلمي حباب ـ رشدي الزيات ـ ابوخليل الزيناتي والذين شكلوا رابطة نهضة الخط العربي الولي وقد زارهم من لبنان محمد اديب نشابة وهادي زين الدين من حمص.. وقد وضع هؤلاء الرواد قواعدا للمدرسة الشامية في الخط فكان خط التعليق يتسم بالفتنة الدمشقية بعد ان تجمل على يد الاستاذ بدوي الديراني واختلف عن المدرسة الفارسية وقد اكتسبت الحروف على يديه الرشاقة المتميزة والتي لم يصل الى مستواها الجمالي خطاطو الفرس والترك.
كما اتخذت حروف الثلث والكوفي على يد ممدوح الشريف رصانة وكمالا لم تعرفه مدارس الخط الاخرى في الوقت الذي اتخذ الخطاط الدمشقي الذي استقر في القاهرة حسني البابا ـ والد المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة والممثلة سعاد حسني ـ تراكيب بخط الثلث اعجزت اساطين الخط في اسطنبول.

واذا كانت دمشق عاصمة الخط آنذاك فإن حلب فيها من جيل الرواد نذكر منهم: ابراهيم الرفاعي ـ المولوي ـ الصابوني ـ الدكتور بشير الادلبي وفي حماه عبدالرحمن الفاخوري وفي اللاذقية جواد الخطاط وفي حمص هادي زين الدين.

وجاء الجيل الثاني من رواد الخط العربي في سوريا نذكر منهم: الملحن الموسيقي زهير فيني ـ نجاة العلبي ـ زهير زرزور ـ عبده الصلاحي ـ عبدالرزاق قصباتي ـ وليد رجب ـ فوزي التوأم ـ امين دياب ـ حسن الحمصي ـ حسن سمسمية ـ عبده لطف.. تبعه جيل اخر نذكر منهم:

محمود الهواري ـ محمد القاضي ـ عثمان طه ـ احمد المفتي ـ احمد الباري ـ جمال بوستان ـ غياث كيلاني ـ علي حبيب ثم اعقبهم جيل اخر يتمثل في كل من الاساتذة الخطاطين: شكري خارشو ـ عدنان سنقنقي ـ ويد محي الدين ـ محمد سالم نويلاتي عبدالعزيز حبيب ـ مصطفى النجار ـ ومن حمص خطاطها الشهير محمد عدنان الشيخ عثمان ـ محمد فاروق الحداد ـ ومن دير الزور عبيدة البنكي.

وفي الصحافة ظهرت اسماء لامعة في سوريا منذ منتصف القرن الماضي امثال: سهيل ميدع ـ ناجي عبيد ـ محمد قنوع الذي عمل جاهدا لايجاد طابع فني للخط العربي يلائم الصحافة وعناوينها فكان ان ادخل الحرف في طريق جديدة والبسه لباس الرشاقة وانتقى من حروفه ما يلائم الحداثة فكان مدرسة متميزة تعلم عليها كل من جاء من بعده.

بقي ان نشير اخيرا الى ان وزارة الثقافة السورية ادخلت فن الخط العربي الى المعرض السنوي للفن التشكيلي «معرض الخريف» منذ عام 1998 للتأكيد على اصالة وحضور الخط العربي ضمن الفنون التشكيلية العالمية الاخرى.


كتاب العين للفراهيدي

يعد كتاب (العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي أول محاولة فكرية وعملية ناجحة لوضع معجم عربي، وقد رتبت مفرداته على الأساس الصوتي حيث تبدأ بالحروف الحلقية فاللسانية فالشفهية ثم الهوائية.

وقبل أن ندخل في تفاصيل ترتيب (العين) نقف عند قضية أساسية تتعلق بصاحب الكتاب ذاته أثارها د. صلاح الفرطوسي وهو يصدر الجزءين الأول والثاني من تحقيقه لـ(مختصر العين) لأبي بكر الزبيدي الإشبيلي وهي قضية صحة نسبة (العين) ذاته للفراهيدي.

إن الكثير من محققي (العين) يشكون أو يشككون في صحة نسبة هذا الكتاب لصاحبه، ومن ذلك أن الأب الكرملي الذي حقق قسماً من الكتاب عام 1913 وطبعه في مطبعة الآداب ببغداد ينسب (العين) إلى تلميذ الفراهيدي، الليث بن سيار، لكن د. مهدي المخزومي أحد أبرز محققي (العين) أصدر كتاباً تحت عنوان (عبقري من البصرة) عن سيرة الفراهيدي وأشار إلى (العين) كمؤلف خاص بالخليل ساعده على جمعه وتبويبه تلميذه الليث، ثم أكمل المغفور له الدكتور مهدي المخزومي إعادة تحقيق (العين) وحده. بطبعة منقحة مفصوله عن الطبعة التي شاركه فيها زميلة المغفور له د. إبراهيم السامرائي لكن المنية وافته قبل إظهار مشروعه للنور.

والمهم هنا أن المخزومي والسامرائي لا يشككان في صحة نسبة العين للفراهيدي وإن أبديا بعض الملاحظات بشأن ذلك.

وأنت تجد هذا الشك موجوداً في الدراسات الحديثة عن الفراهيدي والتي منها (قصة عبقري) ليوسف العش و(المعجمات العربية) لنورية ذاكر العاني كما تجده في مقدمة الجزء الأول من تحقيق د. صلاح الفرطوسي لكتاب الزبيدي (مختصر العين) ويجمل لك الفصل التاسع عشر من (قصة عبقري) تفاصيل الشك واليقين في صحة نسبة هذا الكتاب للفراهيدي، حيث يبدأ برحلته إلى خراسان حيث دعاه ثريها ورجلها الليث بن المظفر بن نصر بن سيار للراحة من هموم العيش عنده والعمل من أجل لغة القرآن من دون أن يشغله في شيخوخته شاغل من مطالب الدنيا فلبى الدعوة مودعاً من تلامذته ومريديه.

وهناك في خراسان فاتح الفراهيدي الشيخ تلميذه الليث بما يشغله من أمر العربية وحفظ ألفاظها وصارحه بطريقة العمل التي ابتدعها في إنشاء العين لكي يتكون عنده من ألفاظ العربية 12305412 لفظاً باعتبار المقترح التالي الذي جاء بلغة يوسف العش على لسان الفراهيدي (عدد حروف اللغة العربية تسعة وعشرون حرفاً، إذا اجتمعت كونت الكلمة، ومن هنا يخطر على البال خاطر وهو: ألا يمكن أن يعرف تراكيب كل حرف من الحروف مع الأخرى، فالألف إذا اجتمعت مع الباء كونت (أ ب) وإذا اجتمعت مع التاء كونت (أ ت) ثم إذا ضربت هكذا ببقية الحروف أخرجت ألفاظاً عددها ثمان وعشرون لفظاً وكل لفظ يضرب بدوره مع حروف العربية فيخرج أبت، أبث، أبج وهكذا)(1) مما يوصل الألفاظ إلى الرقم المذكور.

ووسط حديث الخليل مع الليث أصيب بالحمى ومرض مرضاً شديداً ولكنه استمر في مشروعه فقال لتلميذه كما يصور العش (اسمع وقيد في دفترك، لن يحصر من ألفاظ العربية إلا مصادرها أما ما تبقى فيخرج من المصدر ويعول عليه فيه والمصادر لا يمكن أن تتكون أكثر من خمسة حروف والحروف لن يضرب بعضها ببعض أكثر من خمس مرات وفي هذا تخفيف للعمل عظيم)(2) ثم سافر الليث للحج تاركاً الخليل مريضاً وعاد ليجده في حال أحسن فاستمر في التباحث في المشروع، الخليل يفكر ويتحدث والليث يكتب بعد أن يسأل وكان ابتداع الخليل لفكرة العين كالتالي:

(أنت تعلم أن لكل حرف مكاناً في الفم يحدث منه، فالعين والحاء والهاء والخاء والغين تخرج من الحلق وتحدث فيه والقاف والكاف تحدث فيه اللهة، والفاء والباء والميم تحدث في الشفة وهلم جراً، ولمكان حدوث الحرف أثر في إمكان تأليف لفظ مستعمل منها أو عدم إمكان ذلك، فأكثر الحروف المهملة إنما تتكون من حروف تحدث من مكان/ متقارب أو من الكلمات التي لا تدخلها الحروف الزولقية التي تحدث في الأسنان، فترتيب الحروف على سياق نطقها يقرب معرفة المهمل من المستعمل وفصلها بعضها عن بعض، وهذه النتيجة تستدعي أن تؤخذ تراكيب الحروف لا بضرب كل حرف بالتتالي مع الحروف الأخرى بل بأخذ تراكيبه مع بقية الحروف دفعة واحدة، فإذا جمعت مضاريب القاف مع العين استخرجنا منها قع وعق وهكذا)(3) ثم قال الخليل لليث (أراني أصبت النهج الصالح وسادعو الكتاب كتاب العين).

وهنا عكف الخليل على العمل واستخرج تراكيب الحروف مميزاً المهمل من المستعمل ووضع مقدمة الكتاب.

ويقول العش هنا أن الخليل دعا الليث للعمل على وفق نهجه هذا وهو مستشاره فوافق الليث على أن يكون الخليل صاحب الكتاب باعتبار أن الليث تلميذه وقد أخذ عنه فكره واماليه ودفاتره فوافق الخليل أيضاً على هذا وعلى تلبية شرط الليث بالإشراف المباشر على ما ينتجه.

ويخرج الخليل للحج ويعود إلى البصرة والليث يعمل وحيداً، وفي البصرة يلتقي الخليل بتلميذه الجديد سيبويه فيقربه إليه لحسن نقاشه وسؤاله حتى دفعه لتأليف كتاب في النحو أسماه (الكتاب) الذي نسب إلى سيبويه وللخليل الفضل الأكبر فيه.

هنا نعود إلى مقدمة تحقيق (مختصر العين)(4) الذي قام به د. الفرطوسي حيث يحاور المحقق الروايات المتعددة في نسبة كتاب (العين) للفراهيدي وعلاقة كتاب (مختصر العين) بكتاب (العين).

يناقش الفرطوسي آراء مؤيدي نسبة الكتاب إلى الفراهيدي وناكري هذه النسبة فيجد في المؤيدين: ابن دريد ومحمد بن منصور وابن فارس وابن خير والمفضل بن سلمة ويجد في المنكرين القالي والسجستاني والزبيدي والأزهري ولكل واحد منهم حججه وأسبابه ويجد أن هناك من ينكر النسبة مرة ويؤيدها مرة أخرى مثل النصر، ويجد من يقول أن الخليل قد بدأ بالكتاب وأكمله الليث ومنهم اسحق بن راهويه ويجد كذلك أن شيخ العربية ثعلب ينسب (العين) إلى الخليل ولكنه يتهم الوراقين بالحشو.

ولا يقطع الفرطوسي بيقين لكننا نرى أن الوراقين قد عبثوا بالكتاب وأضافوا إليه ما يضعفه وحذفوا منه ما يفيد فاستكمل العلماء الذين أعقبوا الخليل عمله وكتبوا مستدركاتهم استكمالاً لجهد الخليل ومنهم الزبيدي الإشبيلي الذي ينكر نسبة (العين) للخليل ولكنه يأخذ مادته مستدركاً على بعض الحشوات غير الصحيحة التي دونها الوراقون ونسبت إلى الخليل زوراً.

وأنت تجد في نسخ المختصر ما يجعلك تشك في نسبته للزبيدي كما تجد في مقدمة تحقيق كتاب (تهذيب إصلاح المنطق) للتبريزي الذي قام به الدكتور فوزي عبد العزيز مسعود ما يجعلك شاكاً في التثبيت من كامل متن الكتاب وفي اعتماد التبريزي على شرح السيرافي لكتاب (إصلاح المنطق) لابن إسحاق السكيت.

أخيراً فإن دور المحقق لا يمكن في التثبت من صحة متن الكتاب بل من نسبته إلى صاحبه ومن تأييد هذا النسب أو عدمه وقد فعل الفرطوسي ود. مسعود وغيرها ذلك لكن من الواضح أن النقول عن الوراقين هي التي أفسدت الكثير بحيث أضافوا وحذفوا والمحقق البارع من استطاع أن يثبت على النسخة الأم صحيح الأمر من غلطه بل أن يدرس جو المؤلف وعلو كعبه في مادته ويميز الرديء من المسنوب إليه فيحذفه بعد الإشارة في الهامش ويثبت الصحيح الممكن المتوائم مع فكر المنشئ والمدون وتلك مسألة أساسية من مسائل (التحقيق) تبقى أساساً لكل عمل جديد أو قديم.

قناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أفضل الناس في الأدب، وقد اخترع علم العروض، وكان صدوقاً عالماً عابداً، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب، روى عنه النضر قال: كان منزله في البصرة وكان يسكن في غرفة من الحصير، ولم يملك قرشاً أسود، وقد تخرج على يديه الكثير من أهل العلم والأدب وكان تلامذته من أصحاب الأموال، وكان زهده غير قابل للوصف، حتى نقل عنه : أن أحد الملوك طلب منه أن يؤدب أولاده، فأرسل له رسولاً فرآه وبيده قطعة من الخبز اليابس ليأكلها، فقال للرسول: ارجع إلى الذي بعثك وقل له: مادام تصلني أمثال هذه القطعة من الخبز اليابس فلا حاجة لي بك، ولم يذهب إلى الأمير.

وعن سفيان بن عيينة أنه قال: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد.

وكان النضر بن شميل بن خرشة البصري ـ الذي هو من كبار أصحاب الخليل ـ يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من الخليل بن أحمد، ويقول: أكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه، وهو في خص لا يشعر به.

وقال أبو عبيده: ضاقت المعيشة على الخليل بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو إخباري، فلما صار بالمربد قال: يا أهل البصرة: يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كليجة باقلا ما فارقتكم، قال: فلم يكن فيهم من يتكلف ذلك. وكان الخليل كثيراً ما ينشد عن الأخطل هذا البيت:

وإذا افتــقرت إلى الذخائـــر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال


زهد الفراهيدي


‏الخليل بن احمد ابو عبد الرحمن الفراهيدي الدوسي الزهراني الازدي النحوي لم يعرف بمن سمى باحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل احمد والد الخليل‏.‏

سمع الخليل من جماعة وبرع في علم اللغة وانشاء العروض وروى عنه حماد بن زيد والنضربن شميل‏.‏ وكان الخليل بالبصرة وهو اليق بالصحة وكان الخليل منفردًا بعلم العربية متعبدًا ذازهادة في الدنيا‏.‏

كتب اليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته في الليل وبعث اليهالف دينار ليستعين بها على خاله فاخرج الى الرسول زنبيلا فيه كسر يابسة فاراه اياها وقال

له‏:‏ اني ما دمت اجد هذه الكسر فاني عنه غني وعن غيره ورد الالف دينار وقال للرسول‏:‏

اقرا على الامير السلام وقل له‏:‏ اني قد الفت قومًا والفوني اجالسهم طول نهاري وبعض ليلي

وقبيح لمثلي ان يقطع عادة تعودها اخوانه وكتب اليه بهذه الابيات‏:‏

ابلغ سليمان اني عنه في سعة =وفي غنى غير اني لست ذا مال

وان بين الغنى والفقر منزلة = مقرونة بجديد ليس بالبال

يسخى بالنفس اني لا ارى احدًا = يموت هزلًا ولا يبقى على حال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه = ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

والرزق عن قدر لا العجز ينق=صه ولا يزيدك فيه حول محتال

كل امرئ بحبال الموت مرتهن = فاعمد لبالك اني عامد باليوقد

روي لنا ان الذي بعث اليه سليمان بن حبيب المهلبي بعث اليه من ارض السند‏.‏ وكانالخليل في البصرة وهذا اليق بالصحة وقيل‏:‏ من ارض الاهواز ثم ال الامر الى ان صار الخليل وكليلًا ليزيد بن حاتم المهلبي وكان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم‏.‏

قال الثوري‏:‏ اجتمعنا بمكة ادباء من كل افق فتذاكرنا امر العلماء فجعل اهل كل بلد يرفعون

علماءهم ويصفونهم حتى جرى ذكر الخليل فلم يبق احد منهم الا قال‏:‏ الخليل اذكى العرب وهومفتاح العلوم ومصرفها‏.‏

وقال نصر بن علي الجهضمي‏:‏ عن ابيه كان الخليل من ازهد الناس واعلاهم نفسًا واشدهم

تعففًا ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرضون له لينال منهم فلم يكن يفعل ذلك وكان يعيش من

بستان خلفه له ابوه‏.‏وقال عبيد الله بن محمد بن عائشة‏:‏ كان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى مات‏.‏

وقال النصر بن شميل‏:‏ ما راينا احد اقبل على الناس الى علمه فطلبوا ما عنده اشد تواضعًا من الخليل‏.‏

وقال محمد بن سلام‏:‏ سمعت مشايخنا يقولون‏:‏ لم يكن في العرب بعد الصحابة اذكى من الخليل ولا اجمع ولا كان في العجم اذكى من ابن المقفع ولا اجمع‏.‏

وقال النضر‏:‏ سمعت الخليل يقول‏:‏ الايام ثلاثة فمعهود وهو امس ومشهود وهو اليوم وموعودوقال الخليل‏:‏ ثلاث تيسر المصائب‏:‏ مر الليالي والمراة الحسناء ومحادثة الرجال


قناعة الخليل بن أحمد الفراهيدي


كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أفضل الناس في الأدب، وقد اخترع علم العروض، وكان صدوقاً عالماً عابداً، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إمامي المذهب، روى عنه النضر قال: كان منزله في البصرة وكان يسكن في غرفة من الحصير، ولم يملك قرشاً أسود، وقد تخرج على يديه الكثير من أهل العلم والأدب وكان تلامذته من أصحاب الأموال، وكان زهده غير قابل للوصف، حتى نقل عنه : أن أحد الملوك طلب منه أن يؤدب أولاده، فأرسل له رسولاً فرآه وبيده قطعة من الخبز اليابس ليأكلها، فقال للرسول: ارجع إلى الذي بعثك وقل له: مادام تصلني أمثال هذه القطعة من الخبز اليابس فلا حاجة لي بك، ولم يذهب إلى الأمير.

وعن سفيان بن عيينة أنه قال: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد.

وكان النضر بن شميل بن خرشة البصري ـ الذي هو من كبار أصحاب الخليل ـ يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من الخليل بن أحمد، ويقول: أكلت الدنيا بأدب الخليل وكتبه، وهو في خص لا يشعر به.

وقال أبو عبيده: ضاقت المعيشة على الخليل بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من أهل البصرة ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو نحوي أو لغوي أو إخباري، فلما صار بالمربد قال: يا أهل البصرة: يعز علي فراقكم، والله لو وجدت كل يوم كليجة باقلا ما فارقتكم، قال: فلم يكن فيهم من يتكلف ذلك. وكان الخليل كثيراً ما ينشد عن الأخطل هذا البيت:

وإذا افتــقرت إلى الذخائـــر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال

زهد الفراهيدي

‏الخليل بن احمد ابو عبد الرحمن الفراهيدي الدوسي الزهراني الازدي النحوي لم يعرف بمن سمى باحمد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل احمد والد الخليل‏.‏

سمع الخليل من جماعة وبرع في علم اللغة وانشاء العروض وروى عنه حماد بن زيد والنضربن شميل‏.‏ وكان الخليل بالبصرة وهو اليق بالصحة وكان الخليل منفردًا بعلم العربية متعبدًا ذازهادة في الدنيا‏.‏

كتب اليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار ومنادمته في الليل وبعث اليهالف دينار ليستعين بها على خاله فاخرج الى الرسول زنبيلا فيه كسر يابسة فاراه اياها وقال

له‏:‏ اني ما دمت اجد هذه الكسر فاني عنه غني وعن غيره ورد الالف دينار وقال للرسول‏:‏

اقرا على الامير السلام وقل له‏:‏ اني قد الفت قومًا والفوني اجالسهم طول نهاري وبعض ليلي

وقبيح لمثلي ان يقطع عادة تعودها اخوانه وكتب اليه بهذه الابيات‏:‏

ابلغ سليمان اني عنه في سعة =وفي غنى غير اني لست ذا مال

وان بين الغنى والفقر منزلة = مقرونة بجديد ليس بالبال

يسخى بالنفس اني لا ارى احدًا = يموت هزلًا ولا يبقى على حال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه = ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

والرزق عن قدر لا العجز ينق=صه ولا يزيدك فيه حول محتال

كل امرئ بحبال الموت مرتهن = فاعمد لبالك اني عامد باليوقد

روي لنا ان الذي بعث اليه سليمان بن حبيب المهلبي بعث اليه من ارض السند‏.‏ وكانالخليل في البصرة وهذا اليق بالصحة وقيل‏:‏ من ارض الاهواز ثم ال الامر الى ان صار الخليل وكليلًا ليزيد بن حاتم المهلبي وكان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم‏.‏

قال الثوري‏:‏ اجتمعنا بمكة ادباء من كل افق فتذاكرنا امر العلماء فجعل اهل كل بلد يرفعون

علماءهم ويصفونهم حتى جرى ذكر الخليل فلم يبق احد منهم الا قال‏:‏ الخليل اذكى العرب وهومفتاح العلوم ومصرفها‏.‏

وقال نصر بن علي الجهضمي‏:‏ عن ابيه كان الخليل من ازهد الناس واعلاهم نفسًا واشدهم

تعففًا ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرضون له لينال منهم فلم يكن يفعل ذلك وكان يعيش من

بستان خلفه له ابوه‏.‏وقال عبيد الله بن محمد بن عائشة‏:‏ كان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى مات‏.‏

وقال النصر بن شميل‏:‏ ما راينا احد اقبل على الناس الى علمه فطلبوا ما عنده اشد تواضعًا

من الخليل‏.‏

وقال محمد بن سلام‏:‏ سمعت مشايخنا يقولون‏:‏ لم يكن في العرب بعد الصحابة اذكى من الخليل ولا اجمع ولا كان في العجم اذكى من ابن المقفع ولا اجمع‏.‏

وقال النضر‏:‏ سمعت الخليل يقول‏:‏ الايام ثلاثة فمعهود وهو امس ومشهود وهو اليوم وموعودوقال الخليل‏:‏ ثلاث تيسر المصائب‏:‏ مر الليالي والمراة الحسناء ومحادثة الرجال‏.‏

اخواني اخواتي وجدت هذه الدراسة عن الفراهيدي واعجبتني واحببت نقلها كما هي للفائدة وانصافا لمن بذل الجهد في اخراجها
الخليل بن أحمد العالم العبقري



الدكتور محمدصالح ناصر

أستاذ بمعهد الشريعة، سلطنة عمان

وباحث متفرغ للتأليف والإبداع

تمهيد:

ارتبطت شهرة الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العماني بعلم العروض، حتى إنَّ المرء عندما يذكر الشعر العربي - وهو ديوان العرب - لا بدَّ أن يتوارد إلى ذهنه هذا العبقري الفذ، الذي حيَّر من عاصره ومن جاء بعده، ولكنَّ الذي يعرفه القلَّة القليلة عن هذا العالم الجليل هو أنـَّه كانت على يده بداية علمية لا تقل أهمية عن علم العروض.

فهو أوَّل من ابتكر التأليف المعجمي، وكانت له مدرسة فيه خاصَّة[1] وهو مخترع علم النحو الذي لقّنه لتلميذه سيبويه، وهو مخترع علم الموسيقى المعرفية التي جمع فيها أصناف النَّظم، وهو الذي وضع تشكيل الحروف العربية، وقد كانت من قبله لا تشكيل واضح لها؛ فسهَّل بذلك تلاوة القرآن، فنال بذلك أجرا عظيما، حتى قيل إنَّ عصره لم يعرف أذكى منه، وأعلم وأعفَّ وأزهد.

والحقُّ إنَّ هذا العالم الذي بهر معاصريه بأخلاقه وزهده وورعه إلى جانب ذكائه وعبقريته، لم يجد العناية التي يستحقُّها من الكُتَّاب والمؤرِّخين، بل وجد منهم الإهمال والتغافل كما سنوضِّح ذلك. وإلى هذه الإشكالية يشير أحد الدارسين المتخصصين قائلا:

«ومن العجب أنَّ الخليل لم يعرف على حقيقته في مختلف العصور، على الرغم من أنَّ معاصريه ومن خلفهم قد أفادوا من عمله الشيء الكثير».[2]

ولعلَّ هذا يعود إلى أنَّ عبقرية الخليل لم تدرك بأتم معنى الكلمة إلاَّ في عصرنا هذا الذي عرف المخابر الصوتية، والحاسوب الآلي، كما عرف محاولات تطوير الإيقاع الموسيقي فيما يطلق عليه الشعر الحديث، فكلُّ تلك المحاولات رغم ادِّعائها التجديد لم تستطع الخروج عن الدوائر الخمس، التي استطاع أن يحصر في محيطها كلَّ بحور الشعر العربي المستعملة وما يمكن أيضا أن يستعمل.

إنـَّه مثل غيره من العمانيين الذين كتب الله عليهم أن ينشئوا ويتعلَّموا ويشتهروا في ديار الغربة بعيدا عن موطنهم الأصلي، وكأنَّ الأقدار كانت تهيِّئ هذا العالِم الجليل لأمر عظيم لا يكون في مستوى عُمَان وحدها، بل يتخطَّى ذلك كلَّه إلى أن يكون في مستوى الإنسانية قاطبة؛ لأنَّ في العلوم التي اخترعها أو ابتدعها ما يضفي عطاءه وخيره على الناس جميعاً، وليس على المسلمين أو العرب وحدهم.

وهو يعدُّ من هؤلاء الزمرة من مواطنيه الذين اشتهروا خارج وطنهم من أمثال جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، والمبرد، وابن دريد وغيرهم.

ففي البصرة التي كان يطلق عليها "بصرة الأزد" نشأ وتربَّى وعاش، وليس لدينا من المعلومات ما يجعلنا نقف على تفاصيل نشأته هذه سوى ما تحكيه بعض المصادر عن ذكائه الخارق، وجرأته منذ نعومة أظفاره، فقد قيل إنَّ الفرزدق الشاعر المعروف كان مارًّا بإحدى طرق البصرة، وكان الصبية يلعبون بها، وما إن مرَّ بهم الفرزدق فوق بغلته حتى أخذوا يرمقونه بأعينهم، ويبدو أنَّ ذمامة خلقه استوقفت أنظارهم، فأراد أن يخوِّفهم فقال:

نظروا إليك بأعين محمرة

نظر التيوس إلى مُدى القصَّاب

وضغط على كلمة مدى، وكأنـَّه يريد بذلك ترويعهم، فتفرَّق الصبية مذعورين من حوله، إلاَّ صبيا واحدا وقف ينظر إليه في تحد قائلاً: «نظرنا إليك كما ينظر إلى القرد؛ لأنَّك مليح» وتضاحك الصبية، وخاف الفرزدق أن يصل خبر هذه الأحدوثة إلى أسماع جرير فيجعلها موضوعا لإحدى نقائضه، وفضّل الانصراف على الفضيحة.

هذا خبر تناقلته المصادر القديمة والمراجع الحديثة[3]، نستشهد به عادة عندما نتحدَّث عن ذكاء وعبقرية الخليل منذ صباه، وهي مفتاح هذه الشخصية العظيمة التي دلَّ ما تركته من علم وإبداع، وما اشتهر به من ورع وتقوى وانقطاع إلى العلم، على أنـَّنا أمام عبقرية نادرة، كما سنرى، ويكفي أن نورد ما قاله فيه المحدِّث المشهور سفيان بن عيينة: «من أراد أن ينظر إلى رجل من ذهب ومسك فلينظر إلى الخليل»[4]

ونودُّ قبل أن تسترسل مع هذه الشهادات العلمية المشرِّفة أن نبدأ مع الخليل بن أحمد الفراهيدي منذ البداية.

وأوَّل سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو: من هو الخليل بن أحمد؟

إنـَّه مـمَّا يدعو إلى الأسف أنَّ كثيرا من جوانب شخصية هذا العبقري ظلَّت مجهولة، فلا نكاد نعرف عنه إلاَّ جانبا من حياته العقلية وإبداعه الفكريِّ، ولم تكتب المصادر القديمة عن هذا الجانب - بطبيعة الحال - إلاَّ يوم أن صار أستاذا من أساتذة البصرة المرموقين، وشيخا من شيوخ العلم، تجاوزت سمعتُه حدود العراق إلى خراسان، وغيرها من الأمصار الإسلامية.

وعن هذه الشهرة يقول أبو محمد التوجي: «اجتمعت بمكَّة أدباء كلِّ أفق فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كلِّ بلد يرفعون علماءهم ويصنِّفونهم ويقدمونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلاَّ قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها»[5]

أقول على الرغم من هذه الشهرة الذائعة الصيت، وهذه المكانة التي اعترف بها القاصي والداني، فإنَّ تلك المصادر لم تسعفنا بشيء ذي بال عن نشأته وحياته بكلِّ التفاصيل المنتظرة، والتحاليل المتوقَّعة.

ولا نكاد نعرف عن نشأته إلاَّ أنـَّه ولد سنة مائة للهجرة على الأرجح، وتوفي سنة سبعين ومائة، أو خمس وسبعين ومائة، وإلاَّ أخبارا متفرِّقة هنا وهناك، يجمعها الدارس بعد عناء، ويصل بين أطرافها بعد تأمُّل.

وأكبر الظنِّ أنَّ هناك عوامل تظافرت فحدَّت من أن يتحدَّث الناس عن الخليل أو يكتبوا عنه، ويهتمُّوا بدقائق حياته، ومن أهم هذه العوامل:

- ما يتـَّصل بسياسة الحكم آنئذ، ومنها ما يتَّصل بالمجتمع: ففي المصادر القديمة نجد بعض الكتَّاب يتحدثون عن أنَّ الخليل «نشأ خارجيا صفريا أو إباضيا»[6]. والمعروف أنَّ الخوارج يومئذ كانوا من العناصر المناوئة للسياسة الأموية الجائرة، وقد اضطهدهم الحكَّام وتجنَّبهم الناس المناوؤون لهم: وأصبح التحدُّث عن المعارضين للحكم أمرا محظوراً، بل إنَّ الذين كانوا يكتبون كانوا في الأغلب الأعمِّ من التيار الممالئ للسلطة الأموية.

- ومن العوامل ما يتصل بالجانب الاجتماعي: فقد تعوَّد الناس أن يهتمُّوا بالأشخاص لمراكزهم الاجتماعية، مثل الجاه والنفوذ والمال، أي بما لهم فيه مصلحة، والخليل بما نشأ عليه من ورع، وزهد، وتقوى، وتعفُّف، كان أبعد الناس عن المظاهر البرَّاقة، مشتغلاً عن كلِّ ذلك بالعلم وحده، حتى صار مضرب المثل في طلب العلم والانقطاع له، وقد وصل تلامذته إلى هذه الشهرة؛ لأنـَّهم سلكوا إليها السبيل الدنيوي، وذلك ما عبَّر عنه تلميذه وصاحبه النظر بن شميل حيث يقول: «أكلت الدنيا بعلم الخليل وهو في خصٍّ لا يشعر به، وأقام بالبصرة لا يقدر على فلسين، وعلمه قد انتشر وكسب به أصحابه الأموال»[7].

ولذا لم يهتمَّ بالاتصال به إلاَّ هؤلاء الذين وجدوا ضالَّتهم في العلم عنده، وهم خلاصة الجيل، ولم يتردَّد عليه هؤلاء إلاَّ بعد أن انحدر إلى الشيخوخة، وأصبح علَما من أعلام الفكر مشهورا، وعن هؤلاء وصل إلينا من أعماله العلمية من عروض ولغة ونحو، ومن أخبار متفرقة تتصل بزهده وتواضعه وذكائه وحبه للعلم والعلماء.[8]

- ومن العوامل أيضا زهد الخليل في التحدُّث عن نفسه إلاَّ قليلا جدًّا، وهو حتى عندما يتحدَّث عن شيء يتعلَّق به لا ينسبه إلى نفسه، وإنما يشير إليه إشارة، كما نلحظ ذلك عندما يتحدَّث عن قصَّته مع الفرزدق في صباه. وسكوته عن نفسه مظهر من مظاهر زهده ولون من التواضع الذي يلازم العلماء الأصلاء، وقد كان زاهداً متواضعاً لم يداخله الزهو ولم تبهره المنـزلة العلمية التي صار مرموقا من أجلها، وبقي بعيدا عن المجتمعات الصاخبة لا يجاوز همُّه باب خُصِّه كما كان يقول، وهو إن غادره فإلى رحلة في طلب العلم أو للحجِّ.

وكان من زهده في دنيا المادة أن ابتعد عن التزلُّف لرجال الحكم، فلم يقف عند أبوابهم متملِّقاً يرجو عطاءهم، أو مادحا يتطلَّع إلى نوالهم، وكثيراً ما ردَّ بإباء ما كانوا يعرضونه عليه من عروض مغرية. ويحكى أنَّ سليمان بن علي والي المنصور العباسي على الأهواز طلب منه أن يتولَّى تعليم أولاده، وبعث إليه هدايا بها إغراءه، فما كان منه إلاَّ أن أخرج لرسول الوالي كسرة خبز يابسة قائلاً: «ما دامت هذه عندي فلا حاجة لي إلى الوالي سليمان، أبلغه عني ذلك», ولم يتهاو أمام إلحاح ابنه عبد الرحمن الذي رآها فرصة للخروج من ضيق الأخصاص إلى دنيا القصور، بل إنَّ الخليل حمَّل ذلك الرسول أبياتا تعبِّر بصدق عن هذه الخلة العظيمة التي تميز بها واشتهر:

قال الخليل:[9]

أبلغ سليمان أني عنه في سعة =وفي غنى غير أني لست ذا مال

سخيٌّ بنفسي أني لا أرى أحدا =يموت هزلا ولا يبقى على حال

الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه =ولا يزيدك فيه حول محتال

والفقر في النفس لا في المال نعرفه =ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال


وكان سليمان هذا قد رتَّب له راتبا فقطعه عنه انتقاما لموقف الخليل منه، فما ازداد الخليل إلاَّ إيمانا وقناعة قائلا:

إنَّ الذي شق فمي، ضامن =لي الرزق حتى يتوفاني

حرمتني مالا قليلا فما =زادك في مالك حرماني

فبلغت سليمان هذه الأبيات فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذراً، وضاعف جائزته له، فقال الخليل:

وزلة يُكثر الشيطانُ إن ذكرت =منها التعجبَ جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده =فالكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً]

والمرء بقدر إعجابه بموقف الخليل وتقواه وثباته لا يخفي إعجابه من صمود الخليل، وعكوفه على العلم وحده، وحسد معاصريه وتعمُّدهم إنكاره، ولعلَّ موقفه هذا وشخصيته هذه كانت سببا مباشرا في ألاَّ يجد الخليل من عناية الكتَّاب ما وجده تلامذته ومعاصروه من اهتمام وعناية.

ومن العوامل التي جنت على الخليل حسدُ اللغويين الذين جاءوا من بعده حين أنكروا عمله المعجمي العظيم: (كتاب العين)، فكان منهم المنكِر بأن يكون العين من عمل الخليل البتَّة، ومنهم الذي جعله مناصفة بينه وبين تلميذه الليث بن المظفر، ومنهم من ازدراه واستصغره، مما سنراه حين التحدُّث عن هذا العمل المعجمي الضخم، وقد تفطَّنت بعض الدراسات الحديثة، بل وبعض الدراسات القديمة، إلى هذا التحامل على الخليل فأثبتت بالحجج القاطعة نسبة العين إلى الخليل، وبيَّنت جدارة الخليل بهذا العمل واستحقاقه له، وأوضحت كيف كان الحسد وحده هو الدافع لبعض اللغويين مثل الأزهري، ومن لفَّ لفَّه ليستنقص من إبداع الخليل، على الرغم من أنهم أخذوا عنه واقتبسوا نهجه، وقلَّدوه في طريقته.[11]


حياته وثقافته:
هناك اتفاق على أنَّ اسمه هو الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، وكنيته: أبو عبد الرحمن، والفراهيدي أو الفرهودي نسبة إلى فراهيد بن مالك بن فهم بن عبد الله بن مالك ابن مضر الأزدي العماني، ولا نجد خلافا بين المؤرِّخين في نسبته إلى عمان إلاَّ ما ذهب إليه صاحب كتاب روضات الجنان بأنـَّه الخليل ابن إبراهيم بن أحمد، وأغرب ما قاله: إنـَّه من أبناء ملوك العجم الذين انتقلوا بأمر "أنوشروان" إلى حدود اليمن؛ وهي نظرة شعوبية لا تخفى، ولا يلتفت إلى هذا الزعم، بعد أن أكَّد الخليل نفسه عن نسبه.

وقد اختلف في مكان ولادته، أهي بالبصرة؟ أم بعمان؟ على أنَّ هناك اتفاقا على وفاته بالبصرة سنة (175هـ)، والذي نذهب إليه بعد تقصِّي ما وصلنا إليه من مصادر ومراجع حول الخليل أنـَّه ولد في عُمان، وذلك ما تذهب إليه المصادر العمانية من أنـَّه من أهل ودام من الباطنة، وخرج من البصرة صغيرا مع والديه فأقام بها ونسب إليها.

ويؤيِّد هذا ما ذهب إليه صاحب نور القبس حيث يقول: «كان من أهل عُمان من قرية من قراها، وهو عربيٌّ صليبة، وأزدي من حي يقال له الفراهيد، وكانت الخارجية رأي قومه، وقد انتقل مع أهله صغيراً، وسكن في ظاهر البصرة، شبَّ وهو خارجيٌّ: إباضيٌّ أو صفريٌّ...» إلى آخر ما قاله.. و الذي يعنينا هنا هو التحقُّق من ولادته بعمان، ثم انتقاله إلى البصرة، حيث شبَّ وترعرع وتعلَّم إلى أن مات، ومن المؤكَّد أنَّ جماعات كثيرة من قبائل الأزد خرجوا إلى البصرة واستوطنوا فيها بعد أن خصَّص لهم عمر رضي الله عنه حيًّا خاصًّا بهم، وقد شاركوا في الفتوحات الإسلامية، ثم كان فيهم بعد ذلك علماء أجلاَّء ومحدِّثون مشهورون, وأدباء مرموقون، وكان من هذه القبائل جماعة من الجهضم الذين نسبت إليهم محلَّة الجهامضة وجماعة بني حراص بن شمس، وجماعة من المعاول، وجماعة من بني هناه، وجماعة من اليحمد»[12].

والواقع أنَّ قبيلة الأزد التي تنتمي إليها قبيلة الفراهيد كانت قد سيطرت منذ زمن بعيد في البصرة، وكانوا قد قدِموا إليها من عسير عُمان، فطبعوا البصرة بطابعهم حتى قيل "بصرة الأزد" تعبيرا عن انتشارهم بها، وغلبتهم عليها، وتأثيرهم في حياتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ولا بدَّ أن يكون لوجود أقارب الخليل الذين كانوا من جماعة الفراهيد محفِّزا ليهاجر مع أبيه مع من هاجر إليها من أقاربه، ونحن للأسف الشديد لا نعرف شيئا ذا بال عن والده، وعن الأسباب التي دفعته إلى الهجرة، إلاَّ ما وصلنا عن سكناه في حيٍّ من البصرة يسمى الـخُريبة، وعن بستان حصل عليه أبوه، ثم ورثه عنه فيما بعد ابنه الخليل»[13].

ولعـلَّ الظروف السياسيـة والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها عُمان في هذه الفترة كانت من أسباب الهجرة، وأنَّ هذه الأسباب دفعت العمانيين إلى الإقامة بالبصرة واتخاذها وطنا لهم، حتى اشتهر من علماء الأزد بها المئات من رواة الحديث والأدباء واللغويين والقواد والسياسيين. وهذا أمر مشهور معروف.

وتشير بعض المصادر إلى أنـَّه كان من معاصري الخليل المحدُّث الشهير: الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، صاحب كتاب الجامع الصحيح الذائع الصيت، ويذهب أحد الدَّارسين المعاصرين إلى أنـَّه ابن عمِّ الخليل مباشرة، مستندا في زعمه على النسب، فالحبيب وأحمد أخوان كما يقول؛ فالعالِمان هما الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، والمحدِّث هو الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي، ولا ندري مبلغ حجَّة هذا الزعم، ولم نعرفه لغيره، والذي يشكِّك في هذا الزعم أننا لم نعثر قطُّ - وهو ما يؤكِّده صاحب هذا الرأي أيضا - على أخبار تتحدَّث عن لقاء جرى بين الرجلين العالمين الذائعي الصيت؛ إذ لو كانت بينهما عمومة لالتقيا، ولو اختلفا منهجا وفكرا - كما يدَّعي صاحب هذه الدراسة.[14]

حياته العلمية:

وعندما نتحدَّث عن العوامل التي كوَّنت هذه العبقرية، تجيء بيئة البصرة في مقدِّمتها؛ ونعني ببيئة البصرة كلَّ الجوانب المكوِّنة لها: الثقافية، والاجتماعية، والطبيعية أيضا. وسنرى كيف كان لهذه الجوانب كلِّها تأثير مباشر في توجُّه الخليل نحو الإبداع في المجالات التي عُرف بها، وعلى رأسها الإبداع في المجال اللغوي والعروضي.

يقرِّر بعض الدارسين أنَّ الخليل أدركته طفولته بأحضان مدينة البصرة، ولعلَّه لم يتجاوز السادسة من عمره، كما تدلُّ على ذلك حكايته مع الفرزدق، حيث كان صبيا يلهو مع صبية البصرة في شوارعها.

ويفترض أنـَّه كان يعيش بمحلَّة الأزد عشيرته، وهي محلَّة مشهورة معروفة في المصادر الأدبية واللغوية والتاريخية، وموقعها من الشمال الغربيِّ من المدينة، إلاَّ أنـَّه قد مرَّ بنا أنـَّه كان يعيش من بستان خلَّفه أبوه في الخـُريبة، وكان لبني بكر وأهل العالية، ولبني تميم دساكر في الخريبة، ومن هنا نستخلص أنَّ الخريبة كانت منطقة بساتين وليس من المحتَّم أن يعيش فيها أصحابها، فإنـَّنا نرى هذا كثيرا في المناطق المعروفة ببساتينها، فقد يملك أو يؤجّر أحدٌ بستانا قد يكون بعيدا أو قريبا من محلِّ سكناه، وليس من الضروري أن يكون ساكنا فيه.

وكان الخليل - كما تدلُّ على ذلك أخباره - كثيرَ التردُّد على باب المربد، الذي يخرج منه إلى المربد. ويعتبر المربد مدرسة ثانية للبصريين إلى جانب الجامع والمساجد، وكان للبصرة ستة أبواب، وكانت مدينة محصَّنة؛ لأنـَّها دار هجرة تأوي الجنود الذين ينطلقون إلى الفتوحات، وقد اختطَّت حيث تنتهي عند رمال الصحراء، وفي الأرض الغنية السوداء التي تروى بالمياه الصادرة مما يكوِّنه اتحاد الفرات بنهر دجلة، وهذا ساعَدَها على أن تكون مدينة خصبٍ ورخاء وازدهار اقتصاديٍّ وتجاريٍّ وزراعيٍّ سريع، وهذا يعود ولا شك إلى طبيعة موقعها لكونها مدينة بحرية نهرية صحراوية في آن واحد، وهكذا التفَّت بها حضارة الصحراء العربية الناشئة بنمط الحياة البحرية والزراعية، وتولَّد عن هذا المزيج مزيجٌ آخر في مجتمعها المتكوِّن من العرب والأعاجم، بل من الأعراب والمتحضِّرين، وأفرز هذا التنوع مدرسة حضارية، شكَّلت الحضارة البصرية المعروفة بطابعها المتميز في كلِّ ميادين الحياة.

كانت التجارة البحرية والنهرية مزدهرة جدًّا في البصرة، وقد بلغت هذه المدينة المرتبة الثانية في الأهمية بعد بغداد، وصارت مقصد القوافل الواردة من كلِّ حدب وصوب، ومحطَّ رِحال الشرق والغرب، وحريٌّ لها أن تلقَّب بـ: قبة الإسلام، كما سماها بذلك مخطُّطها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقد عمِّرت البصرة بالأسواق الممتلئة بسلع الشرق الغنية، ونما فيها سوق المربد الذي كان في الأصل سوقا للإبل، ثم تحوَّل مع الزمن إلى سوق عظيمة للفكر والأدب، تُتخذ فيها المجالس، ويخرج إليها الناس كلَّ يوم، وتتعدَّد فيها الحلقات، ويتوسَّطها الشعراء والرجَّاز، يكفي أن تكون منطلق شعر النقائض ذي الشهرة الواسعة، ويقال إنَّ المربد صار أكبر أسواق العالم آنئذ، وهو الذي ورث سوق عكاظ في الجاهلية، فصار يعرف بـ"عكاظ الإسلام". وهكذا صارت البصرة منذ صدر الإسلام مقراًّ للعلماء والحفَّاظ والقرَّاء، ولم ينبغ شاعر أو أديب أو كاتب ولا برز عالم بارع إلاَّ وقصد البصرة مفيدا أو مستفيداً.

كانت البصرة تعجُّ في هذه الآونة من بداية القرن الثاني الهجري بمراكز العلم والمعرفة، وكان بها مركزان هامان هما: المساجد، وسوق المربد. وعَرفت لمركزيها هذين إقبالا من الفقهاء والمحدِّثين واللغوِّيين والمتكلِّمين والشعراء، وهكذا راح الخليل يختلف إلى هذه الحلقات، يدفعه إلى ذلك حبُّ العلم وتردِفه مواهبه... ذكاء خارق، وحافظة فيَّاضة، واستقامة مشهودة. وكان من أبرز أساتذته في هذه الحلقات عالمان مشهوران هما: عيسى بن عمرو الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء.

ولعلَّ اللغة العربية جمعا وتأليفاً وضبطا استقطبت اهتماماته لعوامل اجتماعية وثقافية منها: ما أخذ يشيع من لحن في اللغة؛ لكثرة الدخيل الأجنبي الوافد مع الأعاجم وغيرهم، الذين أخذوا يدخلون الإسلام ويمتزجون بالشعوب العربية بكلِّ ما يحملونه من تقاليد، وعادات، ولغات، وأفكار، والخليل لم بنظر إلى هذه الوفادة من جانبها السلبيِّ، بل نظر إليها من جانبها الإيجابيِّ أيضا، فاحتكَّ بهذه الشعوب، وتعلَّم منها، وأخذ من مناهجها وأفكارها.

وهكذا انكبَّ على علوم هذه الشعوب المستعربة مثل العلوم الرياضية والإيقاع، ولعلَّه قرأ مترجمات للمنطق اليونانيِّ بحكم العلاقة الحميمة التي كانت بينه وبين ابن المقفع الفارسيِّ، الذي قال عنه الخليل: «رأيت رجلا عقله أكبر من علمه» وهو يعبر بذلك عن هذا العقل الجبار الذي كان يهضم كلَّ الثقافات، ثم يضيف إليها من تفكيره وبُعد نظره، فخالف بذلك الكثير من معاصريه الذين يتلقَّون هذه العلوم بدون إضافة، وهكذا وفَّر له المناخ الثقافيُّ والاجتماعيُّ البصريُّ المجالَ لينمِّي مواهبه وعلومه.

فما هي المجالات التي برز فيها هذا العالم العبقري؟

الخليل متعلِّما:

نستطيع القول إنَّ الخليل بدأ تعلُّمه بالبصرة؛ ذلك أنَّ طفولته المبكِّرة في عُمان لم تسمح له بأكثر مما يتعلَّمه الطفل عن والديه من مبادئ التربية، والأخلاق والدين، وقد بدأ بالبصرة يختلف إلى الكُتَّاب صبيا، وبدت عليه علامات الذكاء والنجابة منذ صباه، وقد استدللنا على ذلك من تفوُّقه العلميِّ، ثم من خبره مع الفرزدق حسبما مرَّ بنا، فإنَّ جواب الخليل للفرزدق، رغم شهرته، ينمُّ عن ذكاء وسرعة بداهة، وجرأة في معالجة المواقف الحرجة، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الخليل انفتح على بيئة البصرة التي بهرته بما تضجُّ به من مراكز العلم المسجدية منها، والمربدية، والبدوية، والحضرية.

وقد كان منظر الناس متحلِّقين في المساجد حول الشيخ يعلِّمهم وينوِّرهم من المناظر التي أثَّرت في نفس الخليل منذ صباه، وحرَّكت في أعماقه الرغبة في السير في هذا الطريق، وحرَّكت في أحنائه الحبَّ والميل إلى العلم والعلماء، وقد أثَّر في نفسه - كما تدل الأخبار - منظر الحسن البصريِّ، هذا العالم الورع الجليل، حين مرَّ بحلقته وهي مكتظَّة بالمتلقِّين، فعبَّر عن هذا الإعجاب بقوله: «لا إله إلاَّ الله، لقد كاد العلماء أن يكونوا أرباباً، كلُّ عزٍّ لم يوطد بعلم فإلى الذلِّ يؤول»[15].

ويفهم من هذا النص أنَّ الخليل أدرك بعقله النيِّر أبعاد هذه المنـزلة وهو دون العاشرة؛ لأنَّ الحسن البصري توفي سنة (110هـ)، والخليل كما هو الراجح ولد سنة (100 هـ).

ولعلَّ في هذه المقولة ما يشير إلى الطريق الذي اختاره منذ صباه؛ إذ لم تبهره الجوانب المادية من حياة الناس، ولا بهرج المال وزخارفه، فقد رأى العزَّ الحقيقي في العلم، الذي ينظر الكثير إليه باستخفاف وزراية.

وأخذ الخليل يختلف إلى حلقات العمل في مساجد البصرة، ولعلَّ بداية دراسته كانت على يد أيوب السختياني الذي تلقَّى عنه الحديث والفقه، وكان السختياني من مشاهير فقهاء ومحدِّثي البصرة، وهو الذي يقول عنه الحسن البصري: «أيوب سيِّد شباب أهل البصرة»؛ لِما كان يتَّصف به من ورع وصلاح وزهد وعبادة، وكان الخليل إذ ذاك حدثاً، وقد راقه ما كان يسمعه من شيخه هذا، فاستمع إليه طويلاً، وتأثَّر بنسكه وزهده، كما أعجب من قبلُ بالحسن البصري، وكان أيوب السختياني يقول: «تعلَّموا النحو فإنَّه جمال للوضيع، وتركه هجنة للشريف».[16]

وهكذا راح الخليل يتنقَّل بين حلقات اللغة العربية وعلومها وآدابها، وشدَّه منها حلقات النحو التي كانت آهلة بالطلاَّب، فكان الخليل كغيره من الطلاَّب يتنقَّل بينها، ولعلَّ النحو كان في هذه الآونة من العلوم المستحدثة التي استقطبت الأنظار، فهي مدار العلوم كلِّها، وآية ذلك ما شاع بعد ذلك من منافسة مدرسة البصرة النحوية, ومدرسة الكوفة، وكانت بيئة البصرة بتكوُّنها الديموغرافي تدفع إلى العناية بهذا العلم.

ولم يجلس الخليل إلى أستاذ واحد، وإنـَّما كان ينتقل من شيخ لآخر، ومن حلقة في المسجد إلى أخرى في المربد، ومن معلومة يتلقاها من شيخ إلى أخرى يدوِّنها من أعرابي في البادية... وهكذا، وقد كان يعبِّر عن وجوب الحرص في تلقي العلم بقوله: «لا يعلم الإنسان خطأ معلِّمه حتى يجالس غيره».

ومن شيوخه المشهورين الذين وجَّهوه هذه الوجهة اللغوية - فيما يبدو - عيسى بن عمرو الثقفي، المقرئ النحوي الذائع الصيت في علم القراءة، وكان الخليل به معجباً، طالما أشاد بعلمه, وبكتابه "الجامع والإكمال"، كما يبدو أنَّ تأثير هذا الإمام اللغوي تجلَّى في اصطناعه القياسَ أصلا من أصول النحو، فقد كان معروفا أنَّ عيسى بن عمرو كان ممن يصطنع القياس.

وممن اشتهر في عهده أبو عمرو ابن العلاء، وهو أحد القرَّاء السبعة، ومن أعلم الناس في عصره بالقرآن مع صدق وثقة وأمانة ودين، وكانت له حلقة شهيرة في المسجد الجامع بالبصرة، يجتمع إليه فيها رجال القراءة والأدب واللغة والنحو.

وكان أوَّل اتصال للخليل بهذا العالم الجليل يوم هبط البصرة وهو يعتزم مناظرته بعد أن سمع عنه رأيا لم يوافقه عليه؛ ولعلَّ حماس الشباب كان يحدو به إلى ذلك؛ ولكنـَّه عدل عن رأيه وظلَّ يستمع إليه، فسأله بعض أصحابه عمَّا ردَّه عن عزمه فقال: «هو رئيس منذ خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد»[17].

هذا الخلق الكريم هو الصاحب الذي التزم به الخليل فلازمه، حتى بات هو الطابع الغالب على سلوك الخليل في حياته كلِّها. هذا الشعور بالتواضع هو السرُّ الذي يقف وراء الاجتهاد، الذي لم ينقطع قطُّ عن الخليل في دنيا التحصيل، فقد ظلًَّ طول حياته متعلِّما، منقطعا إلى التعلُّم الانقطاع كلَّه، لم يشتغل بدنيا، ولم ينصرف عن الكتب إلى جاه أو منصب.

فالخليل كما يقول أحد الدارسين المعاصرين متعلِّم من النوع الذي لا يؤمن بانتهاء مدَّة العلم، كما أنـَّه من أوائل الذين ابتدعوا قضية تطوير التعليم.

ومن خلال تتبُّع أخباره وأقواله وأفعاله وسيرته، نجد المقولة الرائعة عن العلم: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلَّك، ثم أنت بإعطائه إياك بعضه مع إعطائك إياه كلَّك على خطر». وقد كنَّا نسمع أو نقرأ هذا القانون العلميَّ عن العلم والتعلُّم للغزاليِّ، ولكن الأجمل من هذا أن ينتسب إلى الخليل.

ويمكن القول إنَّ الخليل من أوائل من جمعوا العلم للحياة، أو العلم من أجل العلم لا من أجل الكسب والرياء وحبِّ الظهور، ولذا قيل عنه كان من المنقطعين للعلم.([18])

ولكن هل سلم الخليل من الناس وانتقاد ما توصل إليه من نظريات علمية باهرة؟

كان طبيعيا أن يقابَل مثل الخليل بالتنقيص والإساءة؛ لأنـَّه مبدع، وكلُّ مبدع مرفوض مخذول من الناس؛ لأنَّ من طبيعتهم الرضى بالمعتاد، والسير على المنوال، وتقليد السابق، وكلُّ من حاول الخروج عن الجماعة برأي جديد أو فكر وليد، اتهموه وفسَّقوه وبدَّعوه، والتراث مليء بأقاصيص التفسيق والتكفير لكلِّ من حاول التجديد في ميدان السياسة، أو الاجتماع، أو الفكر بصفة عامة، وفي أخبار الخليل ما يشير إلى معاناته من الناس الذين لم يتقبَّلوا إبداعاته في مجال اللغة والشعر، والنحو والإيقاع، ولم يُقبلوا على آرائه واختراعاته في تشكيل الحروف وضبط الكلمات، إلاَّ بعد دهر طويل من وفاته.

لقد تعوَّد الناس أن يشكِّلوا الكلمات بالنقط حسبما توصَّل إلى ذلك أبو الأسود الدؤلي، ولكنَّ الخليل وجد أنَّ هذه النقط كثيرا ما اختلطت بالنقط في الحروف المعجمة مثل: الياء والثاء والباء، وغيرها، فلا يميز بين نقط التشكيل ونقط التعجيم إلاَّ بالألوان: اللون الأسود للتعجيم، واللون الأحمر للتشكيل، وهكذا هداه تفكيره بعد طول تأمُّل إلى الرمز للحركات بعلامات أخرى تتميز في أشكالها عن النقط، فرمز إلى حركة الضم في الكلمة بواو صغيرة (و) مكوَّنة في أعلى الحرف، وللفتحة بألف صغيرة (ا)، وبالكسر ياء صغيرة (ي)، وقد رُفضت هذه الطريقة من معاصريه خوفا أن يتغير بذلك رسم القرآن، وظلَّ رفضهم هذا دهرا بعد وفاته، ثم تعوَّد عليه الناس وقبلوه وأقبلوا على استخدامه حتى يومنا هذا.

«وتوفي وفي بلاد الإسلام من لم يرض بها، وهم أهل الأندلس، تعصُّبا أو لغير ذلك، ثم أذعنوا لحسنها، بل أذعن أصحاب القراءات لها، فأدخلوا في القرآن ذلك بعد وفاة الخليل بدهر»[19].

إنَّ نزعة التأمُّل التي وُهبها الخليل ساعدته على تعمُّق عادات الناس وطبائعهم واختلاف أخلاقهم، ومكَّنه ذلك من معرفة الطرق السلوكية التي ينبغي أن تُستخدم معهم حتى تمكِّنه معاشرتهم من استجلاب رضاهم ودفع أذاهم.

كان يَنظر إلى الناس نظرا عميقا، ويجعل موقعه منهم تبعا لصنفهم، فالمعتدي عليه لا يمكن إلاَّ أن يكون واحدا من ثلاثة: أعلى منه مقاما، أو مساويا له في الرتبة، أو دونه. وكلٌّ من هؤلاء يستحقُّ أن يسكت عن هفواته، وقد لخـَّص هذه النظرية في هذه الأبيات الحكيمة:

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب =وإن كثرت منه عليَّ الجرائم

وما الناس إلاَّ واحد من ثلاثة: =شريف، ومشروف، ومثل مقاوم

فأمَّا الذي فوقي، فأعرف فضله =وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم

وأمَّا الذي مثلي، فإن زلَّ أو هفا =تفضَّلت، إنَّ الفضل بالعزِّ حاكم

وأمَّا الذي دوني، فإن قال صنت عن =إجابته عرضي، وإن لام لائم[20]

إنَّ التعمق في الدين وفهم العلم كلاهما ساعد الخليل ليتحسَّس أبعاد النفس الانسانية، ففهم نفسه أوَّلا ليُفهم الناس بالتبع، فلم ير لنفسه صلاحا أقوم من أن يعامل الناس كلاًّ بما يستحقُّ، على أساس أن يغمط من حقِّ نفسه، ويتسامح في مرضاتها، ويكبت رغباتها، وكيف لا يحب شخص مثل الخليل التواضع وإِلاَنةَ الجانب، ويعرف فضل من يكبره، ويعفو عن زلة من يساويه، ويترفَّع عن لؤم من تدنى عنه، إنَّ سفيان بن عيينة لم يكن مغاليا حين قال: «من أحبَّ أن ينظر إلى رجل خُلق من ذهب ومسك فلينظر غلى الخليل ابن أحمد».[21]

وروى ابن خلِّكان أنَّ الخليل كان يقطّع بيتا من الشعر فدخل عليه ولده في تلك الحال، فخرج إلى الناس وقال: إنَّ أبي قد جنَّ، فدخل الناس عليه وهو يقطّع البيت فأخبروه بما قال ابنه فقال:

لو كنت تعلم ما أقول عذرتني =أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني =وعلمتُ أنَّك جاهل فعذرتكا
[22]

إنَّ التأمُّل والتفكير العميق سمة لا تفارق الخليل في كلِّ مواقفه عظُم شأنها أو صغر، لا يسارع إلى الجواب إلاَّ إذا قلب السؤال فأخرج احتمالاته وأبعاده، ذلك هو منهجه الفكري الذي يقوم على التوليد والتفريع والاستنباط والاستقراء، فعل من يبني أقواله على قواعد متينة من التفكير والتدبير.

يقال إنَّ سائلا قدم عليه وهو في حلقة من حلقاته العلمية، فوجَّه إليه سؤالا بدا لسامعيه سهلا بسيطا، فأطرق الخليل يفكِّر فأطال في ذلك تفكيره، حتى ملَّ السائل موقفه ذاك، فغادر حلقته مغاضبا، وتعجَّب تلامذته من عدم إجابة شيخهم ذاك السائل عن سؤال بدا لهم سهلا ميسوراً، فقال الخليل: ما الجواب عندكم؟ قالوا كذا‍، قال: فإنـَّه يضيف أمرا جديدا لم تنتبهوا إليه، فيقول: فما يكون جوابكم؟ قالوا: يقول كذا، قال: كان يقول لكم كذا فما تجيبون؟ فنظروا في ذلك فوجدوا أنهم ضلُّوا السبيل بأجوبتهم فسكتوا وانقطعوا، فقال: لقد لمتموني على تأخري في الجواب، ولكنِّي ما أجبت بجواب قط إلاَّ وأنا أعرف آخر ما فيه من الاعتراضات والمؤاخذات، وقبيح بالمجيب إذا ابتدأ بالجواب أن يفكِّر بعد ذلك، وليس معيبا في حقه أن يؤخِّر الجواب، فليست كلُّ أمور العلم تحل في ساعتها، وما العيب إلاَّ أن يُسرع العالم في العلم ثم يتبين له خطؤه فيه، لأنـَّه إن أخطأ ظهر خطؤه وأضاع مكانته، فزلَّته يضرب بها الناس بالطبل لأكبر الحوادث»[23]

هذا هو الخليل، عظمة في التفكير، وعظمة في التصرف والسلوك، لا يستجيب لاستفزاز، ولا يشرئب إلى بريق، أو يغتر بمظهر، إنَّ العلم عنده وقار وهيبة وتدبُّر، لا يهمُّه أن يقال سكت ولم يجب، بقدر ما يهمُّه أن يقال أجاب فأخطأ، وذلك هو العقل الرياضيُّ، الذي يبحث عن الصواب، يصل إليه بخطوات ثابتة ووسائل عقلانية.

وللخليل في هذا المجال التربويِّ حكايات تدعو إلى الإعجاب والتأمل:

تطفل رجل جاهل من فزّارة على حلقته يوما، وكان رجل يسأل الخليل عن قوله تعالى: ]قال ربي أرجعوني[ فقال الخليل سألتموني: عن شيء لا أحسن ولا أعرف معناه -تهيبا منه لكلام ربِّ العالمين- فاستحسن الناس تلك الصراحة؛ ولكنَّ الفزاريّ استقبح منه هذا الجواب، وبدت على وجهه علامات الإنكار وامتهان الخليل، وعرف الخليل بذكائه الحاد ونظراته في ذلك الشخص ما يجول بخاطره فسأله:-على عادته الذكية في تربية الناس وتوجيههم- عن رأيه في تفسير الآية، فلم يجب الرجل الفزاري، وأعاد الخليل السؤال وضحك الفزاري، والتفت الخليل إلى جلسائه قائلا: الرجال أربعة: «فرجل يدري ويدري أنـَّه يدري فذلك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنـَّه يدري فذلك غافل فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنـَّه لا يدري فذلك جاهل فعلِّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنـَّه لا يدري فذلك مائق أحمق فارفضوه»، ونظر أهل المجلس إلى الفزاري وقد تصبب عرقا»[24].





--------------------------------------------------------------------------------

[1] ـ يراجع أحمد عبد الغفور عطار، مقدمة الصحاح، دار الكتاب العربي مصر، دت، ص:95.

[2] ـ الخليل بن أحمد (مقدمة) كتاب العين، دت : د/ مهدي المخزومي، د/إبراهيم السامرائي، ط‍1، إيران: 1409هــ1989م، ص:6.

[3] ـ يراجع، د/ مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان: 1986م، ص:23.

[4] ـ يراجع، أبو الطيب اللغوي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، مراتب النحويين، دار الفكر العربي، القاهرة: 1394هـ ـ 1974م ص: 55 وما بعدها، وانظر: د. مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، (مرجع سابق) ص"24.

[5] ـ يراجع: المرجعين السابقين، نفس الصفحات.

[6] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، من أعلام التربية العربية الإسلامية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض: 1409هـ/1988م، ج1، ص:164. نقلا عن: ماسينيون: خطط البصرة وبغداد، ص: 18.

[7] ـ ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، ج10،ص161، / ابن عماد الحنبلي، ت: محمد الأرناؤوط، شذرات الذهب، ط: دار بن كثير، بيروت:1406هـ /1986م،ج1 ص:270.

[8] ـ د. مهدي المخزومي، الخليل بن أحمد، جار الرائد العربي، بيروت:1406هـ / 1986م،ص44.

[9] ـ يراجع ابن نباته المصري، سرح العيون، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت: 1406هـ / 1986، ص:296.

[10] ـ يراجع المرجع السابق.

[11]ـ يراجع محمد حسين آل ياسين، الدراسات اللغوية عند العرب، منشورات كدار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ص257 .

[12]ـ ينظر الشيخ السالمي: تحفة الأعيان، ت. أبو إسحاق، (ط القاهرة، مصر: 1343هـ) ج:1.

[13]ـ ينظر: د.مهدي المخزومي، الخليل بن أحمد، مرجع سابق.

[14] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق: ص 166.

[15] ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 178.

[16] ـ المرجع السابق.

[17] ـ زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 179.

[18] ـ زيد بن عبد المحسن، مرجع سابق، ص: 174.

[19] ـ يوسف العش، قصة عبقري، دار الفكر، دمشق:1986، ص:32.

[20] ـ المرجع السابق، ص: 34

[21] ـ ابن الأنباري، نزهة الألباء، ت: د/إبراهيم السامرائي، مكتبة المنار، الأردن: 1405هـ 1985م،ص:58.

[22] ـ جمال الدين القفطي، أنباء الرواة، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة (دت)،ص 377، أيضا: معجم الأدباء، ص 75.

[23] ـ قصة عبقري، المرجع السابق، ص112.

[24] ـ بتصرف، المرجع السابق، ص: 180



اسهام الفراهيدي في تطوير الخط العربي
مر تطور الخط العربي بثلاث مراحل وكانت المرحلة الاخيرة والمهمة من نصيب عالمنا العبقري الفراهيدي.

التطور الثالث والمعجز للخط العربي فكان على يد العالم العبقري الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفي سنة «175» هـ وكانت الخدمة الجلية التي قدمها هي ابتداعه التشكيل المعروف في هذه الايام وبذلك تخلصت الحروف من الالوان وغدا الخط العربي في جمال والق.



عشرة علماء مشكلين



قال خلف بن المثنى عن شموله وديمقراطية : شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم في الدنيا علماً ونباهة وهم : 1 - الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب النحو، وهو " سني " ، 2 - والحميَري الشاعر، وهو " شيعي " ، 3 - وصالح بن عبد القدوس، وهو " زنديق ثَنَوي " ، 4 - وسفيان بن مجاشع، وهو " خارجي صُفَّري " ، 5 - وبشار بن برد، وهو " شعوبي خليع ماجن " ، 6 - وحماد عجرد، وهو " زنديق شعوبي"، 7 - وابن رأس جالوت، وهو " يهودي"، 8 - وابن نظير المتكلم، وهو " نصراني "، 9 - وعمر ابن المؤيد، وهو " مجوسي " ، 10 - وابن سنان الحرَّاني، وهو " صابئي " ، وكلهم في رعاية إسلامية إنسانية، فهل عرفتَ لذلك شبيهاً ؟ وهل أنت باقٍ على قناعتك يا سائلي بأن العلمانية شكلٌ يستوعب الجميع، أم عدلت ؟ على كلٍّ هذا شأنك، فلا تؤاخذني، فقد أردتُ الملاطفة . وأختم الجواب بقول غوستاف لوبون : " إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم " . وللاستزادة والاطلاع، انظر كتاب ( من روائع حضارتنا ) للدكتور العلامة المرحوم مصطفى السباعي .[/color]
رد مع اقتباس
قديم 23-09-2006, 03:52 AM   #2
 







 
مشاركات الشكر: 0
تم شكره 18 مرة في 15 مشاركة
ابو خالد الدوسي is on a distinguished road
افتراضي

مشكور يا ابوصالح( ماتشوف الضليعين في اللغه والادب من اهل العراق احفاد الخليل
ابو خالد الدوسي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-10-2006, 03:01 PM   #3
 
الصورة الرمزية تأبط شراَ
 







 
مشاركات الشكر: 0
تم شكره 17 مرة في 14 مشاركة
تأبط شراَ is on a distinguished road
افتراضي

مشكور ابا خالد على المرور والتعليق الجميل

دمت بخير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التوقيع
__________________
تأبط شراَ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 26-10-2006, 02:04 PM   #4

[عضوية شرفية خاصة]
 
الصورة الرمزية ابو دوس
 







 
مشاركات الشكر: 5
تم شكره 201 مرة في 68 مشاركة
ابو دوس is on a distinguished road
افتراضي

مجهود جميل في جمع تاريخ علم من زهران

الف شكر لك تأبط شراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التوقيع
كيف يا[ـُ] ترتضى طعنة الغدر فى خضوع
وتدارى جحودها فى رداء من الدموع
لست قلبى وانما خنجر انت فى الضلوع
ابو دوس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

المواضيع المتشابهه للموضوع : الخليل بن احمد الفراهيدي الدوسي.
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سيرة الخليل بن احمد الفراهيدي الدوسي دوس تاريخ زهران 18 06-05-2009 09:17 AM
*·~-.¸¸,.-~*الصحابي الجليل أبو هريرة الدوسي*·~-.¸¸,.-~* جبل منور الإسلام حياة 14 25-07-2008 02:37 AM
عبقرية الخليل بن احمد الفراهيدي الدوسي وعلم العروض دوس المنتدى العام 7 13-12-2006 08:28 PM


الساعة الآن 06:40 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.7.7,
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0
جميع ما يطرح في المنتديات من مواضيع وردود تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الإدارة
Copyright © 2006-2012 Zahran.org - All rights reserved

سيرفرات ابعاد المعلومات    المنتدى محمي بواسطة ابعاد المعلومات    هذا المنتدى يستخدم موديل بور بلس للتسريع



1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 395 396 397 398 399 400 401 402 403 404 405 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 417 418 419 420 421 422 423 424 425 426 427 428 429 430 431 432 433 434 435 436 437 438 439 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 462 463 464 465 466 467 468 469 470 471 472 473 474 475 476 477 478 479 480 481 482 483 484 485 486 487 488 489 490 491 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 507 508 509 510 511 512 513 514 515 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 527 528 529 530 531 532